فقد كان عثمان رضي الله عنه أحد العشرة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة، ويوم بشره بها قرن هذا التبشير بخبر ما سيصيبه من الفتن والبلاء، فقد جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في حديث تبشير الخلفاء بالجنة، فقال فيما يخص عثمان: (فقمت ففتحت الباب، فإذا أنا بعثمان، فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم -يوم بشره بالجنة على بلوى تصيبه- فقال عثمان رضي الله عنه: الله المستعان على بلائه وعليه التكلان) ، وأصله في الصحيحين، وكان هذا الحديث معجزةً من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكبرى، حيث عصفت بعثمان رياح الفتن التي أثارها حزب الشيطان ضده، وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ اليهودي، والغوغاء في الأمصار ومن تأثر بهم باسم الإسلام، والتي انتهت باستشهاد أكرم إنسان على وجه الأرض حيٍّ آنذاك.
إن حكم عثمان الطويل الذي دام اثنتي عشرةَ سنةً إلا اثنتي عشرة ليلة، والذي تُوِّجَ بأشرف الأعمال وأجلها؛ أغاظ أعداء الإسلام فَحنَقُوا عليه، فهو الذي أنهى حكم الأكاسرة والقياصرة في البر والبحر، حتى امتدت فتوحاته إلى بخارى وسمرقَنْد شرقًا، وإلى قبرصَ وشمالِ أفريقيا غربًا، وهو الذي جمع المصحف الشريف، وجمع المسلمين في جميع الأقطار عليه، واتفقت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على موافقته دون أن يعترض واحد منهم.
ولكن عثمان هذا وبكل طَيِّبَاته وتضحياته، تتجمع من حوله الفتنة التي كان من ورائها أشرار الأرض، وأجرت دمه الطاهر يسطر المأساة على كتاب الله وهو يتلوه، فوقفت نَضْحَةٌ من دمه الطاهر على قوله تعالى: (( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ) [البقرة:137] ، وكان يومئذٍ صائمًا بعد حصار طويل صمد فيه عثمان المحتسب الصابر، بإيمان صادق، وقد أوكل أمره لحكم الله وقضائه.