عثمان بن عفان الخليفة الطاعن في السن الذي يرفض أن يُوْقِظَ أحدًا من خدمه كي يُعدَّ له وضوءه، ويتمايل على شيخوخته لإحضار الماء وإسباغ الوضوء، ولما اشتد حصار أهل الفتنة لداره، قال للصحابة الذين تجمعوا حول داره ليواجهوا أهل الفتنة بالسلاح: (إن أعظمكم عني غَنَاءً رجلٌ كف يده وسلاحه) ، ويقول لأبي هريرة رضي الله عنه وقد جاء شاهرًا سلاحه مدافعًا عنه: (أما إنك والله لو قتلت رجلًا واحدًا لكأنما قتلت الناس جميعًا) .
ويقول للحسن والحسين، وابن عمر، وابن الزبير، وشباب الصحابة رضي الله عنهم الذين أخذوا مكانهم لحراسته: (أناشدكم الله وأسألكم به ألا تراق بسببي مِحْجَمَةُ دمٍ) .
قال ابن عمر: (جاء علي إلى عثمان يوم الدار وقد أغلق الباب، ومعه الحسن بن علي وعليه سلاحه، فقال للحسن: ادخل إلى أمير المؤمنين وأقرئه السلام، وقل له: إنما جئت لنصرتك فمرني بأمرك، فدخل الحسن ثم خرج، فقال لأبيه: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: لا حاجة لي في قتالٍ وإهراق الدماء، قال: فنزع علي عمامة سوداء فرمى بها بين يدي الباب وجعل ينادي:(( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) ) [يوسف] ).
لله درك يا عثمان!! رحمة جامعة تغطي جلائل الأحداث، فللخادم منها حظه وحقه في أن ينعم براحة النوم، وإن أضنى الخليفة نفسه وشيخوخته في ظلمة الليل البهيم.. ولقطرات الدم حظها وحقها في أن تنعم بالسلامة والعافية، وإن كان بديل ذلك أن تزهق روح الخليفة الشيخ بيد معتد أثيم، وغادر زَنَيم.
لقد توغلت الرحمة في حياته وفي سلوكه حتى اقتضته آخر الأمر حياته نفسها فجاد بها.