وهكذا لعب العثمانيون دورًا مماثلًا لدور سلاطين الفونج الذين منحوا الأرض إلى الشخصيات الدينية التي استقرت مع أتباعهم بين القبائل المتوطنة في السودان فوجد بذلك بديل عن زعماء القبائل (1) ولكن استخدام السادة لشق الاتحادات العشائرية في العراق كان يبدو الاستثناء أكثر منه القاعدة، وكانت أدوارهم الاجتماعية والسياسية والإدارية يراد بها في الغالب الأعم التخفيف من وطأة انهيار المجتمع القبلي وإعادة الوحدة.
انتشر السادة بين عشائر العراق التي تحطمت بنيتها الاجتماعية السابقة في مجرى عملية الاستقرار. فإن انتقال العشائر من الترحال إلى الزراعة أوجد حاجة ملحة إلى آليات إضافية للتعامل مع التعقيدات الاقتصادية الاجتماعية الجديدة، وكذلك إلى الخدمة الدينية. وإذ ربطت الزراعة أفراد العشائر بالماء وبقطعه صغيرة من الأرض عملت على تفتيت المجتمع العشائري، وكفت الاتحادات العشائرية عن كونها مجتمعات سياسية، وفقدت العشائر الكبيرة المكونة لهذه الاتحادات تميزها كوحدات اقتصادية جماعية. وأصبح رجال العشائر الذين توطنوا أكثر انكشافًا من نظرائهم الرحل بسبب اعتمادهم في مصادر رزقهم على محصول يمكن أن يخرب بسهولة. وطلب العثمانيون من الشيوخ الذين فقدوا الكثير من سلطتهم السياسية السابقة أن يديروا أنظمة عشائرية معقدة اقتصاديًا ومنقسمة اجتماعيًا إلى مراتب، وهي مهمة لم يكونوا مؤهلين لها؛ لذا كان السادة محط أنظار جميع أفراد العشائر التي استقرت وأصبحوا جزءًا لا ينفصل من المجمع المتشظي فقد خفضوا من حدة التوتر داخل العشائر وفيما بينها أو بين أبناء العشائر وسواهم ناصبين أنفسهم إشارات ضوئية لتنظيم حركة السير في النظام المتشظي ومضطلعين بدور الدهن في العجلة.