وعلى النقيض من المجتمعات البدوية التي كانت حياتها تعكس قدرًا كبيرًا من الحراك والانسيابية فقد حُرِمَ رجال العشائر الذين استقروا من إمكانية تغيير منطقة سكنهم بصورة متواصلة. وأثار ارتباط أبناء العشائر الأفراد بقطع صغير من الأرض نزاعات بين العشائر وكذلك بين الأفراد على الماء والأرض. وكرس هذا بدوره تشظي المجتمع العشائري وأضعف تضامن الجماعة، وخاصة في المناطق القريبة من المدن, ولوحظت تطورات مماثلة في مناطق أخرى من الشرق الأوسط حدث فيها استقرار القبائل الرحل خلال القرن التاسع عشر. وفي حين أن بداية العملية في مصر سبقت بديتها في العراق بحوالي نصف قرن فإن العملية في البلدين على السواء تأثرت تأثيرًا بالغًا بتطبيق أسلوب الإرواء الدائم الذي يستند إلى شبكات واسعة من القنوات المائية. وظهر الشيوخ المصريون للقبائل الرحل وشبه الرحل بوصفهم على غرار أقرانهم العراقيين، ملاكًا كبارًا في حين أن أبناء القبائل ضاعوا بين الفلاحين [1] . وهكذا ازدادت المصالح الاقتصادية الاجتماعية المشتركة للشيوخ وأبناء العشائر ضعفًا في العراق ومصر على السواء بعد تفريقهم عن بعضهم البعض في مجرى عملية استقرار القبائل. ولكن بخلاف الإجراءات غير المعقدة والمتكاملة نسبيًا التي اتخذت في مصر في زمن محمد علي والخديوي سعيد فإن الظروف الملتبسة لتسجيل الأرض في العراق أسفرت عن عدد من ادعاءات العشائر وأبناء العشائر الأفراد بحيازة الأرض وحقوق الاستزراع وإيصال الماء أكبر منه في مصر [2] . والحق أن قضية عشائر عفك والدغارة التي اصطدمت فيما بينها حول الأرض والماء في حوالي عام 1881، وقضية عشائر السماوة التي اختصمت في عام 1900م حول زراعة الرز ليستا إلا مثالين من نزاعات كثيرة كهذه بين العشائر التي استقرت [3] .
(3) العزاوي: تاريخ: 8/ 65، 138، 197-198.