خلال القرن التاسع عشر استقر القسم الأكبر من عشائر العراق وتوجه نحو ممارسة الزراعة. وفي حين أن بني تميم وفروعًا من الشمر والدفافعة وبني عامر قد أظهرت ميلًا إلى الاستقرار خلال ولاية داود باشا آخر ولاة المماليك (1816-1831م) فإن استقرار العشائر لم يكتسب زخمًا دافعًا إلا بعد أن استأنف العثمانيون سيطرتهم المباشرة على العراق [1] . وتبين تقديرات السكان في العراق سعة عملية الاستقرار هذه وأثرها على التركيب الاجتماعي لجنوب العراق ووسطه؛ ففي حين كانت نسبة الرحل والعناصر الريفية من سكان جنوب العراق 50و41 في المئة عام 1867م، تغيرت هذه النسبة بحلول عام 1905م إلى 19و72 في المئة على التوالي. وعلى الغرار نفسه تغيرت هذه النسبة في وسط العراق من 23و39 في المئة إلى 7و78 في المئة على التوالي [2] . وكان تأسيس مدن في وسط وجنوب العراق خلال الشطر الأخير من القرن التاسع عشر مؤشرًا أخر على تغير العلاقات بين البادية والمدينة في المنطقة، وباستثناء الديوانية وسوق الشيوخ والزبير والحي التي كانت مدنًا تأسست قبيل القرن التاسع عشر أو في أوائله فإن ما لا يقل عن 20 مدينة بضمنها العمارة والناصرية تأسست أو توسعت في الشطر الأخير من ذلك القرن بعدما كانت قرى صغير. وكانت الزيادة في عدد المدن تعكس تفكك الاتحادات العشائرية وتزايد استقرار العشائر [3] .
(1) نوار: تاريخ: 141، 156، 158، 159. العزاوي: تاريخ: 6/264 و7: 220.
(3) العزاوي: تاريخ: 7/ 136، 236-238. الوردي: دراسة: 162-163. سركيس: مباحث عراقية: 1/264-277، 315-316.