فمهما قيل في مناقب عمر، وأَثَرِ هذه المناقب على سيرة الدعوة الإسلامية، فإن أي مسلم لا يمكن أن يرقى إلى ما درجت عليه وما تسامت به من فضائل ومناقب، فهل ما نسطره أسطورة؟! بل لو كانت أسطورة لصعب تصديقها، ولكن عمر لم يكن أسطورة؛ بل كان حقيقة ملأت الزمان والمكان، وكان هدى من الله، وكان للمتقين إمامًا.
وقد كان عمر رضي الله عنه سدًا منيعًا، وحصنًا حصينًا أمام الفتن، قال حذيفة رضي الله عنه: (كنا عند ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفتنة... وفيه: قال حذيفة: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قلت: لا، بل يكسر، قال: ذاك أحرى ألَّا يغلق أبدًا حتى قيام الساعة. قال أبو وائل: وهل كان عمر يعلم من الباب؟ قال حذيفة: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ الليلة! إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال أبو وائل: فهبنا أن نسأل حذيفة مَن الباب، فقلنا لمسروق: سل حذيفة من الباب؟ فقال مسروق لحذيفة: من الباب؟ قال حذيفة: هو عمر!!) ، رواه البخاري في صحيحه.
ولما تقادم به العهد، وبعد أن حج آخر حجة له سنة (23هـ) ، ولما نفر من مِنَى، أَناخَ بالأَبْطَحِ، فكوَّمَ كَوْمَةً من بطحاء، فألقى عليها طرف ثوبه، ثم استلقى عليها ورفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط) ، ثم قدم المدينة.
ولما قتل الفاروق عمر رضي الله عنه كان هول الفاجعة عظيمًا على المسلمين، يقول ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عن ابن عباس وعن سائر آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه ما مر بملأ إلا وهم يبكون، وكأنهم فقدوا أبكار أولادهم) .