قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: (صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج، ثم رجعنا، فما ضُرب له فِسطاطٌ ولا خِباء، ولا كان له بناء يستظل به، إنما يُلقِي كساءً على شجرة فيستظل تحته) .
وقال رضي الله عنه لبشار بن نمير: (كم أنفقنا في حجتنا هذه؟ فقال بشار: خمسة عشر دينارًا، فقال: لقد أسرفنا في هذا المال) ، لله دره! يذوق وَقْدَة الحر، وقَيظَ الرمال المستعرة، وينفق خلال رحلته كلها خمسة عشر دينارًا، ثم يقول: لقد أسرفنا، وتحت عتبة خزائنه وضعت أموال كسرى وقيصر!!
وذات يوم عدا وهرول وراء بعيرٍ أفلت، فلقيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: (إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: بعير نَدَّ من إبل الصدقة أطلبُه، فقال علي: لقد أتعبت الخلفاء بعدك) . (( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ) [القصص:83] .
وكما كان الفاروق عمر يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبًا عظيمًا، حتى إنه ليحبه أكثر من نفسه كما جاء في الصحاح، فقد سرى هذا الحب وذلك الاحترام إلى آل بيته صلى الله عليه وآله وسلم الكرام، فلقد كان عمر رضي الله عنه يتفقد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويُجْزِل لهن العطاء، وكان لا يأكل طَريفَةً ولا فاكهة إلا جعل منها لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وآخر من يبعث إليهن حفصة، فإن كان نقصان كان في حقها.