خرج رضي الله عنه في سواد الليل فرآه طلحة رضي الله عنه، فذهب عمر فدخل بيتًا ثم دخل بيتًا آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، وإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: (ثكلتك أمك يا طلحة! أعثرات عمر تَتَتَبَّع؟!) .
لله درك من إنسانٍ باهرٍ عظيم!
لا ينام إلا غبًا، ولا يأكل إلا تقوتًا، ولا يلبس إلا خشنًا، وكان عمر يقظان دائمًا، كان ينعس وهو قاعد، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ألا ترقد؟ فقال: (إن نمت بالنهار ضيعت مصالح الرعية، وإن نمت بالليل ضيعت حظي مع الله) .
خرج يومًا إلى السوق فرأى إبلًا سمانًا، فقال: إبل من هذه؟ قالوا: إبل عبد الله بن عمر، قال: عبد الله بن عمر!! بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين، وأرسل في طلبه، فلما أتاه قال له: ما هذه الإبل يا عبد الله؟ فقال عبد الله: إنها إبل أَنضَاءُ اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحِمَى أتاجر فيها، وأبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال عمر: ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك، ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين. ثم صاح به: يا عبد الله! خذ رأس مالك واجعل الربح في بيت مال المسلمين.
ويقول لأقاربه: (إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب، لمكانه مني، فمن شاء منكم فليتقدم، ومن شاء فليتأخر) .
رضي الله عنك يا عمر، تحمِّل أهلك كل مغارم الحكم، وتحرمهم من كل مغانمه.
أيها المؤمنون! انظروا إلى مسئولية عمر رضي الله عنه تجاه مال المسلمين، وزهده في الدنيا.