ولقد استطاعت الدولة الصفوية أن تجعل المذهب الغالب على إيران المذهب الاثني عشري، وعلينا أن نلاحظ أن هذا المزج بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية في العهد الصوفي قد انتقل بالتشيع الاثني عشري إلى مرحلة تحول حاسمة تشير إلى طبيعة موقف الاثني عشرية من الزعيم الديني فلم يعد كما كان بالنسبة لهم منذ الغيبة الكبرى الحاكم الروحي فقط وإنما أصبح الحاكم الزمني كذلك، ومن هنا بدأت صلة رجال الدين بالدولة تنحو إلى ضرب من التعقد لم تزده الأيام إلا حدة، فالدول التي ظهر بعد الصفويين ابتداء من سنة 1148هـ/1735م كانت تتخذ سبيل الحذر ف بتعاملها مع رجال الدين. ولم يفلح نادر شاه الأفشاري في علاجه للموقف بإعلانه عن إلغاء المذهب الشيعي الاثني عشري كمذهب رسمي للدولة وتعويضه بالمذهب السني بل إن إعلانه هذه لم يزد المذهب الاثني عشري إلا ذيوعًا وانتشارًا، وعدا في نظر أتباعه الذين شعروا بالمرارة من موقف نادر شاه طريقًا للإطاحة بالنظام القائم، واتضح مفهوم جديد لغيبة المهدي المنتظر، فلم يعد مقتضيًا حسب الظروف للمتناقضين الفض تارة والاستلام أخرى، وإنما تحدد بشكل حاسم فأصبح لا يعني إلا الثورة. وبناء على هذا رأى رجال الدين أن بقاء الحكم الزمني بمنأى عن سلطتهم مخالف للدين، إذ غيبة الإمام تفرض عليهم أن يسوسوا الدولة نيابة عنه، ولتحقيق هذا الهدف دخلوا في صراع ظاهر وخفي ضد الدولة الأفشارية والدولة الزندية والدولة القاجارية. وكان يزداد تعلق الشيعة بأئمتهم وتسع البعد الوجداني للمذهب وتعمق صبغته الثورية كلما اصطدم المذهب بمقاومة جديدة، فبالإضافة إلى العوامل الذاتية التي يستمدها هذا المذهب من تاريخيته والتي أكسبته هذا الحرارة وذلك التوثب فإن عنصرين هامين ظهرا في حياة إيران في الفترة الفاصلة بين سقوط الدولة الصفوية ومطلع هذا القرن كان لهما دخل كبير في إحكام اللحمة بين الأمة والمجتهدين في إيران، وهذان العنصران هما: