كما أن شريعتي فهم من قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} ما لم نجده عند أي مفسر قديم أو حديث، فليس اللسان عنده هو اللغة بحيث يكون كل رسول مبعوثًا بلغة القوم الذين أرسل إليهم، فهذه حقيقة في نظر شريعتي لا تحتاج إلى تأكيد، بل إن اللغة هنا تعني لغة الطبقة التي ينتمي إليها الرسول، اللغة التي تتحدث عن آمالهم وآلامهم، وتطرح قضايا العدل والحرية والمساواة، وهذا يعني أيضًا رفض اللغة التي تتحدث بها الطبقة المترفة في الماضي وفي الحاضر؛ لأن الجماهير من أبناء الطبقة المحرومة لا تفهم لغة المترفين، والمترفون لا يفهمون لغتها، لذلك اعتمد الرسول في نشر الدعوة على الجماهير، توجه بالخطاب إليها قبل أن يتوجه إلى الخطباء والمتعلمين والأثرياء، توجه به إلى العبيد المستضعفين والجياع، والمعذبين الذين كانوا يؤلفون الطبقة المحرومة في مكة والذين شكلوا مجموعة المسحوقين والأرذلين، ولد أخذ أسياد مكة على الرسول أنه لم يتبعه إلا الأرذلون، وهذا المأخذ في حد ذاته حسب تعبير شريعتي يعتبر أكير شهادة زكت الإسلام وثورته [1] فلا غرابة إذن في أن يسترد بلال، وهو العبد المسحوق قيمته، وأن يفاجئ سالم مولى حذيفة العرب واليهود بأن يؤم المصلين في مسجد قباء،وهو الذي عرفته قريش عبدًا ذليلًا متسكعًا [2]
(1) الشهادة ص 18-20.
(2) المصدر نفسه ص20.