ثالثًا: أن قول الله تبارك وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} . هو من جنس قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} فهو في الأولى كما في الثانية أمر وإيجاب، وهما غير القضاء والقدر، فإن الكلام هو في أفعال العباد، وعلاقتها بالقضاء والقدر والاستدلال بالآيات على غير مقصودها دليل على الجهل، إن لم يكن دليلًا على التقول.
خامسًا: إذا كان دليل على بن أبي طالب في تأييد رأيه هو الآية المشار إليها فما هو دليل جعفر بن محمد في قوله: (بين بين) .
سادسًا: أما نحن فإننا نؤمن بأن القضاء والقدر هما كل ما سبق به علم الله واقتضته حكمته، وما سبق به علم الله واقتضبته حكمته فسيقع حتما؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى لا يكمن أن ينقلب جهلًا، وسبق العلم لا يدل على الجبر ولا على التفويض ولا على بين بين. وإنما يدل على كمال قدرة الله وسعة علماه وإحاطته بما كان وما يكون وما هو بكائن. وأفعال العباد هي جزء مما سبق به علم الله.
وقد اقتضت مشيئة الله وحكته أن يخلق في عباده مشيئة محدودة، خاضعة لمشيئته، وقدرة محدودة خاضعة لسننه الكونية، وتكليفهم منوط بهذه المشيئة المحدودة.
ودليلنا على ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ، فمن آمن فقد آمن بمشيئة الله أودها الله في قرارة نفسه. وإيمانها موافق لما سبق به علم الله.
ومن كفر فقد كفر بمشيئة أودها الله في قرارة نفسه، وكفره موافق لما سبق به علم الله.
وقد اختص الله نفسه باختيار النتائج التي تترتب على أفعال العباد وجعل وقوع أفعالهم متعلقًا بمشيئته، قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .