فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 70

أولًا: لقد ناقضت نفسك بنفسك في صفحة واحدة من كتابك، فقد قلت إن من القضاء والقدر ما ورد بمعنى الخلق كقوله تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} وعلى بعد بضعة أسطر قلت: وأما القضاء والقدر بمعنى الخلق والإيجاد فليس في آيات الله وسنة النبي ما يدل عليه. ومثله قولك: (لأن الحكم عليهم، وإلزامهم لا يلزم منه كونهم مجبورين) مع أن مدلول الإلزام والجبر واحد، فالإلزام لغة واصطلاحًا هو الجبر والإكراه، والجبر لغة واصطلاحًا هو الإلزام. والحكم يختلف عنهما اختلافًا بينًا في المعنى والمبنى، وإشراكه مع الإلزام في مفهوم واحد لا يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدًا، زد على ذلك أن هذه الجملة التي ذكرتها تناقض على خط مستقيم قولك بعد ذلك: (فمعنى القضاء والقدر في أفعال العباد هو علم الله سبحانه، أو كتابته في اللوح المحفوظ لأفعال عباده، ولعلما بما يفعله العبد أو كتابته لا يلزم منه كونه مجبورًا على ذلك) . وإن من يقرأ كلا الجملتين لن يخرج منهما إلا بخفي حنين.

ثانيًا: أن الجبر والتفويض ممتنع في أولكم بدليل قول جعفر: (لا جبر ولا تفويض، ولكن بين بين) .

وهذا الخبر وإن لم تشر إليه في هذا الباب، فإنني أورده هنا لأدل على مدى التناقض فيما تنسبونه إلى الأئمة، وهو خبر يرده النقل والعقل لأن ما لم يكن جبرًا لا يجوز أن يكون إلا تفويضًا، وبالعكس، ولا ثالث للحالتين، ولأن الكتاب والسنة لا يثبتان ودود حالة بين الحالتين بل فيهما وعد ووعيد، والوعد والوعيد لا يتوجهان إلا لن ثبتت مسؤوليته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت