ثالثًا: إن كنت تحكم العقل في أفعال الله بالإضافة إلى أفعال العباد فإن العقول أصغر وأحقر من أن تتصدر للحم على خالق العقول، ولأنه لا معنى للتحسين والتقبيح إلا جلب المنافع ودفع المضار، والله منزه عن ذلك. ولأن الله حكيم لا يبعث ولأنه المالك لكل شيء، والمالك يتصرف في ملكه كما يشاء، وإن كنت تقصد الحكم على أفعال العباد خاصة فالحكم فيها للشرع لأن العقل البشري ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه درجة السعادة، بدليل أن كل إنسان معرض للخطأ والصواب ولا حاجة إلى ضرب الأمثال، فحياة كل فرد منا مشحونة بالتصرفات الخاطئة، وليست عقول الناس سواء في معرفة الله كما يجب أن يعرف، ولا في فهم الحياة الأخرى كما يجب أن تفهم، ولا في إدراك حقائق الأشياء، ونتائج الأفعال كما يجب أن تدرك، لهذا كان الإنسان محتاجًا إلى التوجيه الإلهي على أيدي من يختارهم الله لرسالته.
رابعًا: من المسلمات الأولية أن كثيرًا من الأفعال تكون حسنة في نظر فاعلها وقبيحة في عين غيره، وبالعكس.
ولأضرب مثلًا لذلك: جاسوس من دولة مسلمة، ألقى القبض عليه في دولة كافرة، فبماذا تسمى اعترافه بأنه جاسوس؟ وهل تستحسن صدقه في الاعتراف أم تستقبحه؟ وبماذا تسمي سكوت علي عن حقه المزعوم في طلب الخلافة؟ وكذلك تنازل الحسن لمعاوية. إن كان الحكم في مثل هذه المعضلات من اختصاص العقل، فهل أنزلت الشرائع، وأرسلت الرسل لتبرك خطايا العباد وآثامهم؟ أم لتبين لهم الذي اختلفوا فيه؟
خامسًا: إنكم بترويج هذه الأفكار السيئة تريدون أن يتحلل الناس من قيود الشرع نزولًا عند حكم العقل الذي لا تعنيه الحيل ولا يعجزه التكيف ما تمليه غرائز الإنسان وشهواته، ليتخذ الإنسان إلهه هواه؛ لأن إحساسه بالمسؤولية محصور في نطاق معقولاته، أما الشرع فيجب أن يكون في نظره عنصرًا أصم، لا قيمة لحكمه على الأفعال.