والوعيد الذي تضمنته الآية الكريمة دليل على أن من لا تعنيهم الآية الكريمة لن يكونوا من المحجوبين، وإنكار هذه النصوص إنما هو بمثابة تكذيب القرآن الكريم، أما قوم موسى فقد سألوا رؤية الله بدافع من الشك ومن المكابرة، ومن شهوة التحدي، بدليل قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} ولهذا عاجلهم الله بالعقوبة، أما موسى عليه السلام فإنه أراد أن يتعجل ما لا يصح تعجيله لمناقضته لسنن الله الكونية لأن الله جلت قدرته قد اقتضت حكمته أن يحتجب عن خلقه في الحياة الدنيا لحكمة لا يعلمها إلا هو، فلو أجيب موسى إلى طلبه لكان قدوة لغيره في ذلك، وقد جعل الله في دك الجبل عبرة له ولغيره، وبديهي أن ما لم يحتمله الجبل لا يمكن أن يحتمله جسم الإنسان.
أم في الآخرة فإن الله قادر على أن يخلق في عباده المؤمنين ما يطيقون معه رؤية الله فقد قال تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} .
وأخبر النبي بأن المؤمنين في الجنة سيجدون (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، لا خطر على قلب بشر) ولو كانت رؤية الله ممتنعة في الآخرة لأخذت الصاعقة كل من يسأل الله النظر إلى وجهه الكريم في الآخرة، وأنا واحد منهم.
وتحت عنوان (الحسن والقبح العقليين) :
ومما يعتقد به الشيعة الإمامية الحسن والقبح العقليين، والمراد منه حكم العقل ابتداء بحسن بعض الأفعال وقبح بعضها، ويكون الشرع مقررًا وموافقًا لما حكم به العقل، فالصدق والوفاء وشكر المنعم، وغير ذلك حسن بنظر العقل، ويستحق المتصف بذلك مدحًا ومثوبة، والظلم والتعدي والخيانة، كل هذه الصفات توجب ذمًا وعقوبة بنظر العقل أيضًا، ولا يتوقف حكم العقل بقبح هذه وحسن تلك على الشرع.