ومنها إنكار الملاحدة وجود الله.
ومنها هذا الخبط الذي وقع فيه الفلاسفة وتهافت آرائهم ونظرياتهم ومسلماتهم، ومناقضة بعضهم لبعض.
ومنها أن الناس يختلفون في النظر إلى كل عمل بعينه تبعًا لتفاوت مداركهم، وقد ثبت انخداع العقل عليمًا بمقتضى قانون النظرية النسبية.
أما الحس: فإنه لا يدرك الأشياء ذاتها، وإنما يدرك صورها وآثارها، وقد ثبت انخداعه علميًا في مسألة الألوان.
ولو اتفقت هذه الأشياء الثلاثة في إثبات شيء أو نفيه فإن اتفاقها مجتمعة لا يؤدي إلا إلى الاقتناع العقلي دون اليقين؛ ولهذا كان الإنسان محتاجًا إلى التوجيه الألهي على أيدي من يختارهم الله لرسالته، وعلي أيدي الأنبياء وصل الإنسان إلى ساحة اليقين) [1] .
ثانيًا: أن القول بأن ثبوت الكتاب والسنة يتوقف على ثبوت النبوة، والنبوة يتوقف على ثبوت الواجب، قول فاسد، ومنطق معكوس؛ لأن النبوة هي الأصل الذي يؤدي ثبوته إلى ثبوت الواجب من جهة، وثبوت الكتاب والسنة من جهة أخرى. والنبوة إنما تثبت بالتحدي والإعجاز، لا بثبوت الواجب.
نعم نحن لا ننكر أن الناس يتفقون على الشعور بقوة أسمى من قواهم، وهذا الشعور مركوز في فطرتهم بالبداهة، ولكن الوثنية أفسدت هذا الشعور، وانحرفت به عن خط المفروض، فكان تصحيح هذا الانحراف على أيدي من اصطفاهم الله للهدى والإرشاد تفضلًا من الله ورحمة بعباده {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} .
ثالثًا: لو افترضنا أن معرفة الله لا بد أن تقف فيها عند حدود العقل فلا بد أن نفترض تبعًا لذلك أن التكاليف لا يجوز أن تصدر إلا من العقل، وعندئذٍ لا يبقى أي معنى لإرسال الرسل لأنهم لن يأتوا بشيء جديد، ولأن إرسالهم يصبح من قبيل تحصيل الحاصل لأن عقولنا قد أوجبت سلفًا ما يريدون إيجابه وحرمت ما يريدون تحريمه.
(1) من كتاب (لماذا أنا مسلم) لمحمود العيسوي بتصرف.