وفد أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية، وما يصح منه، وما يمتنع منه، بواسطة الدليل. وهكذا الحال في بقية أصول الإسلام كما أنه لا يصح التعويل في إثباتها على النقل المستفاد من الكتاب والسنة؛ لأن إثبات الأصول بالكتاب والسنة يتوقف على ثبوت هذين الأمرين، وثبوتهما إنما يكون بعد فرض ثبوت النبوة، وهي تتوقف على ثبوت الواجب، فلو فرض ثبوت الواجب والنبوة بالكتاب والسنة لزم الدور بالباطل، إلا أن يكون في الكتاب والسنة دليل عقلي؛ ليكون الرجوع إليه رجوعًا إلى الدليل لا إلى الكتاب والسنة، وقد ورد في الكتاب آيات تدل على عدم جواز الاعتداد بالظن، ووجوب تحصيل العلم. قال سبحانه: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} إلخ.
ونقول ردًا عليه:
إنا لا نلومك على ما في قولك من التناقض، فأنت تكتب بوحي من العقل الذي يدور حول نفسه، فلقد أوردت آيات القرآن الكريم في معرض الدفاع عن وجهة نظرك في حين أنها أقوى حجة عليك، فإن هذه الآية وما بعدها من آيات كريمة دليل عل أن الظن الذي توصلت إليه عقول المحكي عنهم كان خاطئًا لأنهم لم يستمدوه من النقل الصحيح وهو الشرع. وهي بالتالي دليل على أن العقل لا يصلح للحكم على حسن شيء أو قبحه بغير برهان من النقل.
وعلى الرغم من أن هذه الآيات الكريمة تنقض كل آرائكم، وتأتي عليها من القواعد فإننا أيضًا ولزيادة الإيضاح تؤكد ما يلي:
فنقول وبالله المستعان: إن الجواب من وجوه:
(الأول: لقد ثبت بالبراهين القطعية التي لا تقبل الجدل أن العلم والعقل والحس كل هؤلاء عاجز عن إدراك الله تعالى، أو الاستدلال على وجوده، وإليك الدليل:
أما العلم: فلأنه ما زال محصورًا في نطاق المادة، أما ما وراءها فقد اعترف بأنه وراء غايته وفوق طاقته.
وأما العقل: فمن أمثلة قصوره أنه لم يهتد إلى الأثير إلا بعد أحقاب متطاولة من آلاف السنين، مع أنه موجود منذ نشأ الكون.