للمنزل من الطعام إلا ما يلائمك، وإن كان غير محبوب عندها فتترك محبوبها كرامة لك، ثم تنتصب لتربيتك وجلب المنافع لك، ودفع المضار عنك، ولو تركت في الأرض أكلتك الهوام و عقرتك الحشرات، فلا تزال تطلب رضاك حتى يبدو تميزك، إلى أن بكيت أو حزنت خدعتك عن البكاء، وصرفت عنك الحزن والأسى، ولقد بلغ من أمرها في تطييب نفسك وإقرار عينك ودفع ما يضيق به صدرك، مبلغًا لا تجازيها عليه أبدًا وكيف لا وقد عملت من أجل راحتك وسعة صدرك وتمر الليالي والأيام وهي خادمة لك، وعاملة لك وداعية لك بالخير، تنتظر يوم شبابك ويوم لقائك ويوم رجولتك ويوم زواجك فتفرح لزفافك ويتقطع قلبها حزنًا على فراقك فلما ترعرع جسمك واشتد أمرك وبلغت سن الرجاء والأمل جازيت بالإحسان إساءة، وبالوصل قطيعة وبالتواضع غلظة وفظاظة، وبالتربية جفاء وبعدًا وبالمحبة نفورًا وبالبذل والعطاء منعًا وبخلًا، فقطعت ما أمر الله به أن يوصل، ومنعت ما أمر الله به أن يبذل، وكم ليلة باتت تسهر لسهرك، وتبكي لألمك، وتغضب لهمك وحزنك، ويضيق صدرها لضيقك وغضبك، وتدبر إذا قالت لك أقبل، كأنك موكل بخلافها، ومنتصب لعقوقها، فقابلت كل نعمة أفاضت بها عليك ومعروف أسدلته لك بضدها من الشر والضر.