{ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما}
بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزى الصادقين بصدقهم، حيث صدقوا في إيمانهم، كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم"آمنا"لامن قال كما قالت الاعراب"آمنا"والإيمان لم يدخل في قلوبهم بل انقادوا وإستسلموا.
وأما المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذبهم، وإما أن يتوب عليهم، فهذا حال الناس في الخندق، وفى هذه الغزاة.
وأيضا فإن الله تعالى إبتلى الناس بهذه الفتنة، ليجزى الصادقين بصدقهم -وهم الثابتون الصابرون لينصروا الله ورسوله.
{ويعذب المنافقين إن شاء او يتوب عليهم} ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من هؤلاء المذموين، فإن منهم من ندم والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد فتح الله للتوبة بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة لا يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها.
وقد ذكر أهل المغازى - منهم إبن إسحق - أن النبى صلى الله عليه وسلم قال في الخندق: (( الآن تغزوهم ولا يغزونا ) )فما غزت قريش ولا غطفان ولا اليهود المسلمين بعدها، بل غزاهم المسلمون ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة كذلك.
إن شاء الله هؤلاءالأحزاب من المغل وأصناف الترك ومن الفرس والمستعربة والنصارى ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام، الآن نغزوهم ولا يغزونا.
ويتوب الله على من يشاء من المسلمين الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق بأن ينيبوا إلى ربهم ويحسن ظنهم بالإسلام وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوهم، فقد أراهم الله من الآيات ما فيه عبرة لأولى الأبصار، كما قال: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا} فإن الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصبا - ريح شديدة باردة - وبما فرق بين قلوبهم حتى شتت شملهم ولم ينالوا خيرا، إذا كان همهم فتح المدينة والإستيلاء عليها وعلى الرسول والصحابة، كما كان هم هذا العدو فتح الشام والإستيلاء على من بها من المسلمين، فردهم الله بغيظهم حيث أصابهم من الثلج العظيم والبرد الشديد والريح العاصف والجوع المزعج ما الله به عليم.
وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التى وقعت في هذا العام، حتى طلبوا الإستصحاء غير مرة، وكنا نقول لهم هذا فيه خيرة عظيمة وفيه لله حكمه وسر فلا تكرهوه، فكان من حكمته أنه فيما قيل أصاب قازان وجنوده حتى أهلكهم، وهو كان فيما قيل سبب رحيلهم، وإبتلى به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه.
وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه من أرض الشأم وأراضى حلب، يوم الأثنين حادى عشر جمادى الأولى، يوم دخلت مصر عقيب العسكر، وإجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الإهتمام بالجهاد ما ألقاه، فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاء منه وبيانا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها وإن لم يقع الفعل وإن تباعدت الديار.
وذكر إن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغل والكرج، وألقى بينهم تباغضا وتعاديا، كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وعطفان وبين اليهود - كما ذكر ذلك أهل المغازى - فإنه لم يتسع هذا المكان لأن نصف فيه قصة الخندق بل من طالعها علم صحة ذلك، كما ذكره أهل المغازى مثل عروة بن الزبير والزهرى وموسى بن عقبة وسعيد بن يحيى الأموى ومحمد بن عائذ ومحمد بن إسحق والواقدى وغيرهم.
ثم تبقى بالشأم منهم بقايا، سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم مضافا إلى عسكر حماة وحلب وما هنالك، وثبت المسلمون بإزائهم، وكانوا أكثر من المسلمين بكثير لكن في ضعف شديد وتقربوا إلى حماة، وأذلهم الله تعالى، فلم يقدموا على المسلمين قط، وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم فلم يوافقه غيره، فجرت مناوشات صغار، كما جرى في غزوة الخندق حيث قتل على بن أبى طالب رضى الله عنه فيها عمرو بن عبد ود العامرى لما إقتحم الخندق هو ونفر قليل من المشركين.
كذلك صار يتقرب بعض العدو، فيكسرهم المسلمون، مع كون العدو المتقرب أضعاف من قد سرى إليه من المسلمين، وما من مرة إلا وقد كان المسلمون مسظهرين عليهم، وساق المسلمون خلفهم في آخر النوبات فلم يدركوهم إلا عند عبور الفرات وبعضهم في جزيرة فيها، فرأوا أوائل المسلمين فهربوا منهم وخالطوهم وأصاب المسلمون بعضهم، وقيل إنه غرق بعضهم.
وكان عبورهم وخلو الشأم منهم في أوائل رجب، بعدأن جرى ما بين عبور قازان أولا، وهذا العبور رجفات ووقعات صغار.
وعزمنا على الذهاب إلى حماة غيره مرة لاجل الغزاة لما بلغنا أن المسلمين يريدون غزو الذين بقوا، وثبت بإزائهم المقدم الذى بحماة ومن معهم من العسكر ومن أتاه من دمشق، وعزموا على لقائهم ونالوا أجرا عظيما، وقد قيل إنهم كانوا عدة كمانات إما ثلاثة أو أربعة، فكان من المقدر أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يلقى في قلوب عدوهم الرعب فيهربون، لكن أصابوا من البليدات بالشمال مثل تيزين و الفوعة و معرة مصرين وغيرها مالم يكونوا وطئوه في العام الماضى.
وقيل إن كثيرا من تلك البلاد كان فيهم ميل إليهم بسبب الرفض أن عند بعضهم فرامين منهم لكن هؤلاء ظلمة ومن أعان ظالما بلى به، والله تعالى يقول: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} .
وقد ظاهروهم على المسلمين الذين كفروا من أهل الكتاب من أهل سيس والأفرنج، فنحن نرجو من الله أن ينزلهم من صياصيهم - وهى الحصون، ويقال للقرون الصياصى - ويقذف في قلوبهم الرعب، وقد فتح الله تلك البلاد.
ونغزوهم -إن شاء الله تعالى - فنفتح أرض العراق وغيرها، وتعلو كلمة الله ويظهر دينه.
فإن هذه الحادثة كان فيها أمور عظيمة جازت حد القياس وخرجت عن سنن العادة، وظهر لكل ذى عقل من تأييد الله لهذا الدين وعنايته بهذه الأمة وحفظه للأرض التى بارك فيها للعالمين، بعد أن كاد الإسلام أن ينثلم، وكر العدو كرة فلم يلو عن، وخذل الناصرون فلم يلووا على، وتحير السائرون فلم يدروا من ولا إلى، وإنقطعت الأسباب الظاهرة، وأهطعت الأحزاب القاهرة، وإنصرفت الفئة الناصرة، وتخاذلت القلوب المتناصرة، وثبتت الفئة الناصرة، وأيقنت بالنصر القلوب الطاهرة، وإستنجزت من الله وعده العصابة المنصورة الظاهرة، ففتح الله أبواب سمواته لجنوده القاهرة، وأظهر على الحق آياته الباهرة، وأقام عمود الكتاب بعد ميله، وثبت لواء الدين بقوته وحوله، وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق، وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى يوم التلاق.
فالله يتم هذه النعم بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطغيان، ويجعل هذه المنة الجسيمة مبدأ لكل منحة كريمة، وأساسا لإقامة الدعوة النبوية القويمة، ويشفى صدور المؤمنين من أعاديهم، ويمكنهم من دانيهم وقاصيهم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ رحمه الله: كتب أول هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده، لما رجعت من مصر في جمادى الآخرة، وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد، ثم لما بقيت تلك الطائفة إشتغلنا بالإهتمام بجهادهم، وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة وتحريض الأمراء على ذلك حتى جاءنا الخبر بإنصراف المتبقين منهم، فكتبته في رجب.
والله أعلم
والحمد لله وحده
وصلىلله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين
[كتاب الجهاد -ج2 ص69 - 99]