الصفحة 3 من 4

وفى الجهاد أيضا حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفى الدار الدنيا.

وفيه أيضا حقيقة الإخلاص، فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرياسة ولا في سبيل المال ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هى العليا.

وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: {إن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} والجنة إسم للدار التى حوت كل نعيم، أعلاه النظر إلى الله إلى ما دون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، مما قد نعرفه وقد لا نعرفه، كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: (( أعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) ).

فقد تبين بعض أسباب إفتتاح هذه السورة بهذا.

ثم أنه تعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا إذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} .

وكان مختصر القصة: أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم، وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين، فإجتمعت قريش وحلفاؤها من بنى أسد وأشجع وفزارة وغيرهم من قبائل نجد، وإجتمعت أيضا اليهود من قريظة والنضير، فإن بنى النضير كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أجلاهم قبل ذلك كما ذكره الله تعالى في سورة الحشر، فجاءوا في الأحزاب إلى قريطة وهم معاهدون للنبى صلى الله عليه وسلم ومجاورون له قريبا من المدينة، فلم يزالوا بهم حتى نقضت قريظة العهد ودخلوا في الأحزاب، فإجتمعت هذه الأحزاب العظيمة وهم بقدر المسلمين مرات متعددة، فرفع النبى صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة - وهى مثل الجواسق - ولم ينقلهم إلى مواضع أخر وجعل ظهرهم إلى سلع - وهو الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشأم - وجعل بينه وبين العدو خندقا، والعدو قد أحاطبهم من العالية والسافلة، وكان عدوا شديد العدواة لو تمكن من المؤمنين لكانت نكايته فيهم أعظم النكايات.

وفى هذه الحادثة تحزب هذا العدو - من مغل وغيرهم من أنواع الترك ومن فرس ومستعربة ونحوهم من أجناس المرتدة ومن نصارى الأرمن وغيرهم - ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الأقدام والأحجام مع قلة من بإزائهم من المسلمين، ومقصودهم الإستيلاء على الدار، وإصطلام أهلها كما نزل أولئك بنواحى المدينة بإزاء المسلمين.

ودام الحصار علىلمسلمين عام الخندق على ما قيل بضعا وعشرين ليلة وقيل عشرين ليلة.

وهذا العدو عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول إنصرافه راجعا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه يوم الأثنين حادى أو ثانى عشر جمادى الأولى، يوم دخل العسكر - عسكر المسلمين - إلى مصر المحروسة، وإجتمع بهم الداعى وخاطبهم في هذه القضية، وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى من الإهتمام والعزم، ألقى الله في قلوب عدوهم الروع والإنصراف.

وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة بها صرف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} ، وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف أكثر العادات، حتى كره أكثر الناس ذلك، وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك، فإن لله فيه حكمة ورحمة، وكان ذلك من أعظم الأسباب التى صرف الله به العدو، فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد حتى هلك من خيلهم ما شاء الله وهلك أيضا منهم من شاء الله، وظهر فيهم وفى بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال، حتى بلغنى عن بعض كبار المقدمين في أرض الشأم أنه قال: (لا بيض الله وجوهنا، أعدونا في الثلج إلى شعره ونحن قعود لا نأخذهم) وحتى علموا أنهم كانوا صيدا للمسلمين لو يصطادونهم، لكن في تأخيرالله إصطيادهم حكمة عظيمة.

وقال الله في شأن الأحزاب: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك إبتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} .

وهكذا هذا العام جاء العدو من ناحيتى علو الشأم -وهو شمال الفرات. . .- وهو قبلىلفرات - فزاغت الأبصار زيغا عظيما، وبلغت القلوب الحناجر لعظم البلاء، لا سيما لما إستفاض الخبر بإنصراف العسكر إلى مصر وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا، هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام، وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم احاطة الهالة بالقمر، وهذا يظن ان أرض الشأم ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام، وهذا يظن أنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلا يقف قدامهم أحد فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها، وهذا إذا أحسن ظنه قال إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم كما خرج ذلك العام - وهذا ظن خيارهم -، وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أمانى كاذبة وخرافات لاغية، وهذا قد إستولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب ليس له عقل يتفهم ولا لسان يتكلم، وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب ولا يميز في التحديث بين المخطىء والصائب ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء، بل إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها سماع العبر ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية ولا يهتدى لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادىء الروية.

فلذلك إستولت الحيرة على من كان متسما بالإهتداء، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء، هنالك إبتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، إبتلاهم الله بهذا الإبتلاء الذى يكفر به خطيئاتهم ويرفع به درجاتهم، وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات ما إستوجبوا به أعلى الدرجات.

قال الله تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية وحزب الله المحدثون عنه، حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} .

فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم، وأما الذين في قلوبهم مرض فقد تكرر ذكرهم في هذه السورة فذكروا هنا، وفى قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة} ، وفى قوله: {فيطمع الذى في قلبه مرض} ، وذكر الله مرض القلب في مواضع، فقال تعالى: {إذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم} .

والمرض في القلب كالمرض في الجسد، فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والإعتدال من غير موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والإعتدال من غير أن يموت القلب، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه أو أفسد عمله وحركته.

وذلك كما فسروه هو من ضعف الإيمان، إما بضعف علم القلب وإعتقاده، وإما بضعف عمله وحركته، فيدخل فيه من ضعف تصديقه، ومن غلب عليه الجبن والفزع، فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك، كلها أمراض، وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التى فيه وعلى هذا فقوله: {فيطمع الذى في قلبه مرض} هو إردة الفجور وشهوة الزنا كما فسروه به، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( وأى داء أدوأ من البخل ) )، وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إنما شفاء العى السؤال ) )وكان يقول في دعائه: (( اللهم إنى اعوذ بك من منكرات الاخلاق والأهواء والأدواء ) ).

ولن يخاف الرجل غير الله الا لمرض في قلبه، كما ذكروا ان رجلا شكا الى احمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: (لو صححت لم تخف احدا) اى خوفك من اجل زوال الصحة من قلبك.

ولهذا اوجب الله على عباده ان لا يخافوا حزب الشيطان، بل لا يخافون غيره تعالى، فقال: {انما ذلكم الشيطان يخوف اولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين} اى يخوفكم اولياءه.

وقال لعموم بنى اسرائيل تنبيها لنا: {وإياي فأرهبون} .

وقال: {فلا تخشوا الناس واخشون} .

وقال: {لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى} .

وقال تعالى: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون} .

وقال: {انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله} .

وقال: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله} .

وقال: {الا تقاتلون قوما نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدأوكم اول مرة أتخشونهم فالله أحق ان تخشوه} .

ثم قال تعالى واذ قالت طائفة منهم يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد عسكر بالمسلمين عند سلع وجعل الخندق بينه وبين العدو فقالت طائفة منهم لا مقام لكم هنا لكثرة العدو فارجعوا الىلمدينة وقيل لا مقام لكم على دين محمد فأرجعوا الى دين الشرك وقيل لا مقام لكم على القتال فارجعوا الى الاستئمان والاستجارة بهم.

وهكذا لما قدم هذا العدو، كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الاسلامية تقوم فينبغى الدخول في دولة التتار! وقال بعض الخاصة: ما بقيت ارض الشأم تسكن بل ننتقل عنها اما الى الحجاز واليمن واما الى مصر، وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد استسلم لهم اهل العراق والدخول تحت حكمهم!

فدلت هذه الآية - وهى قوله تعالى {اذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} على ان المرض والنفاق في القلب، يوجب الريب في الأنباء الصادقة التى توجب امن الانسان من الخوف، حتى يظنوا انها كانت غرورا لهم، كما وقع في حادثمتنا هذه سواء.

فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك، وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة لا مقام لكم بهذه الارض.

ونفى المقام بها ابلغ من نفى المقام وان كانت قد قرئت بالضم ايضا، فان من لم يقدر ان يقوم بالمكان فكيف يقيم به.

قال الله تعالى: {ويستأذن فريق منهم النبى يقولون ان بيوتا عورة وما هي بعورة ان يريدون الا فرارا} .

وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون والناس مع النبى صلى الله عليه وسلم عند سلع داخل الخندق والنساء والصبيان في آطام المدينة: يا رسول الله ان بيوتنا عورة اى مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل.

واصل العورة الخالى الذى يحتاج الى حفظ وستر، يقال اعور مجلسك اذا ذهب سترة او سقط جدارة، ومنه عورة العدو.

وقال مجاهد والحسن: (اي ضائعة تخشى عليها السراق) .

وقال قتادة: (قالوا بيوتنا مما يلى العدو فلا نأمن على اهلنا فائذن لنا ان نذهب اليها لحفظ النساء والصبيان) .

قال الله تعالى: {وماهي بعورة} لأن الله يحفظها {ان يريدون الافرارا} فهم يقصدون الفرار من الجهاد ويحتجون بحجة العائلة.

وهكذا اصاب كثيرا من الناس في هذه الغزاة، صاروا يفرون من الثغر الى المعاقل والحصون والى الأماكن البعيدة كمصر، ويقولون ما مقصودنا الا حفظ العيال ومايمكن ارسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك، فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق لو دنا العدو، كمافعل المسلمون على عهد رسول الله صلىلله عليه وسلم، وقد كان يمكنهم ارسالهم والمقام للجهاد، فكيف بمن فر بعد ارسال عياله؟!

قال الله تعالى: {ولودخلت عليهم من اقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها الا يسيرا} ، فأخبر انه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة - وهي الافتتان عن الدين بالكفر أوالنفاق - لأعطوا الفتنة ولجاءوها من غير توقف.

وهذه حال اقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم، ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الأسلام - وتلك فتنة عظيمة - لكانوا معه على ذلك، كما ساعدهم في العام الماضى اقوام بأنواع من الفتنة فىلدين والدنيا، ما بين ترك واجبات وفعل محرمات، إما في حق الله واما في حق العباد: كترك الصلاة وشرب الخمور وسب السلف وسب جنود المسلمين والتجسس لهم على المسلمين ودلالتهم علىموال المسلمين وحريمهم واخذ اموال الناس وتعذيبهم وتقوية دولتهم الملعونة وإرجاف قلوب المسلمين منهم، الى غير ذلك من انواع الفتنة.

ثم قال تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا} وهذه حال اقوام عاهدوا ثم نكثوا قديما وحديثا في هذه الغزوة، فان في العام الماضى وفى هذا العام فىول الامر، كان من اصناف الناس من عاهد على ان يقاتل ولايفر، ثم فر منهزما لما اشتد الامر.

ثم قال الله تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت اوالقتل واذا لاتمتعون الاقليلا} فأخبر الله ان الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل، فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون، ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( اذا وقع بارض وانتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ) )والفرار من القتل كالفرار من الجهاد.

وحرف"لن"ينفى الفعل في الزمن المستقبل، والفعل نكرة، والنكرة في سياق النفى تعم جميع افرادها، فاقتضى ذلك ان الفرار من الموت اوالقتل ليس فيه منفعة ابدا، وهذا خبر الله الصادق، فمن اعتقد ان ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره، والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن، فان هؤلاء الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم بل خسروا الدين والدنيا وتفاوتوا في المصائب، والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك فىلدين والدنيا، حتى الموت الذى فروا منه كثر فيهم وقل في المقيمين، فما منع الهرب من شاء الله، والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم احد ولا قتل، بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون، وهكذا سنة الله قديما وحديثا.

ثم قال تعالى: {وإذا تمتعون إلا قليلا} يقول: لو كان الفرار ينفعكم، لم ينفعكم إلا حياة قليلة، ثم تموتون، فإن الموت لابد منه.

وقد حكى عن بعض الحمقى أنه قال: (فنحن نريد ذلك القليل) !

وهذا جهل منه بمعنى الآية، فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلا، لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه ابدا، ثم ذكر جوابا ثانيا أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل، ثم ذكر جوابا ثالثا وهو أن الفار يأتيه ما قضى له من المضرة، ويأتى الثابت ما قضى له من المسرة، فقال: {قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} .

ونظيره قوله في سياق آيات الجهاد: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة. . .الآية} ، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ماماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير} .

فمضمون الأمر أن المنايا محتومة، فكم ممن حضر الصفوف فسلم، وكم ممن فر من المنية فصادفته، كما قال خالد بن الوليد - لما إحتضر: (لقد حضرت كذا وكذا صفا، وإن ببدنى بضعا وثمانين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشى كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) .

ثم قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} .

قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق، فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له: (ويحك أجلس فلا تخرج) ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر أن أئتونا بالمدينة فإنا ننتظركم، يثبطونهم عن القتال، وكانوا لا يأتون العسكر إلا ان لا يجدوا بدا، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلىلمدينة، فإنصرف بعضهم من عند النبى صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال: أنت ههنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟!، فقال: هلم إلي فقد أحيط بك وبصاحبك.

فوصف المثبطين عن الجهاد وهم صنفان بأنهم: إما أن يكونوا في بلد الغزاة أوفى غيره، فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول او بالعمل او بهما، وإن كانوا في غيره راسلوهم او كاتبوهم بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة ليكونوا معهم بالحصون أو بالبعد.

كما جرى في هذه لغزاة، فإن أقواما في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو، وأقواما بعثوا من المعاقل والحصون وغيرهاإلى إخوانهم هلم إلينا.

قال الله تعالى فيهم: {ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم} أى بخلاء عليكم بالقتال معكم وفي النفقة في سبيل الله، وقال مجاهد: (بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة) وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله أو شح عليهم بفضل الله من نصره ورزقه الذي يجريه بفعل غيره، فإن أقواما يشحون بمعروفهم، وأقواما يشحون بمعروف الله وفضله وهم الحساد.

ثم قال تعالى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت} من شدة الرعب الذى في قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النزع، فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره ولا يطرف، فكذلك هؤلاء لأنهم يخافون القتل.

فإذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة حداد! ويقال في اللغة"صلقوكم"وهو رفع الصوت بالكلام المؤذى، ومنه الصالقة: وهى التى ترفع صوتها بالمصيبة، يقال صلقه وسلقه - وقد قرأ طائفة من السلف بها لكنها خارجة عن المصحف - إذا خاطبه خطابا شديدا قويا، ويقال"خطيب مسلاق"إذا كان بليغا في خطبته، لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير، كما قال: {بألسنة حداد أشحة على الخير} وهذ السلق بالألسنة الحادة يكون بوجوه:

· تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذى جرى علينا بشؤمكم، فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم، فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة.

· وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.

· وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو وقد غركم دينكم، كما قال تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين فىقلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} .

· وتارة يقولون: أنتم مجانين لاعقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم.

وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذى الشديد، وهم مع ذلك أشحة على الخير - أى حراص على الغنيمة والمال الذى قد حصل لكم - قال قتادة: (أن كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون أعطونا فلستم بأحق بها منا، فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند الغنيمة فأشح قوم) ، وقيل أشحة على الخير: أى بخلاء به، لا ينفعون لا بنفوسهم ولا بأموالهم.

وأصل الشح: شدة الحرص الذى يتولد عنه البخل والظلم من منع الحق وأخذ الباطل، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ) ).

فهؤلاء أشحاء على إخوانهم - أى بخلاء عليهم - وأشحاء على الخير - أى حراص عليه فلا ينفقونه- كما قال: {وإنه لحب الخير لشديد} .

ثم قال تعالى: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} .

فوصفهم بثلاثة أوصاف:

أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذه حال الجبان الذى في قلبه مرض، فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف وتكذيب خبر الأمن.

الوصف الثانى: أن الأحزاب إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم، بل يكونوا في البادية بين الأعراب يسألون عن أنبائكم، إيش خبر المدينة؟ وإيش جرى للناس؟.

والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا.

وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة، كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه منهم من خبرهم.

ثم قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو، كما إبتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهم فيه أسوة حسنة حيث أصابهم مثل ما أصابه، فليتأسوا به في التوكل والصبر، ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها وإهانة له، فإنه لو كان كذلك ما إبتلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلائق، بل بها ينال الدرجات العالية، وبها يكفر الله الخطايا {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثير} وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك، فيكون في حقه عذابا كالكفار والمنافقين.

ثم قال تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} .

قال العلماء: كان الله قد أنزل في سورة البقرة {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} فبين الله سبحانه منكرا على من حسب خلاف ذلك أنهم لا يدخلون الجنة إلابعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم بالبأساء - وهى الحاجة والفاقة - و الضراء - وهى الوجع والمرض والزلزال وهى زلزلة العدو -، فلما جاء الأحزاب عام الخندق، فرأوهم، قالوا: {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} وعلموا أن الله قد إبتلاهم بالزلزال، وأتاهم مثل الذين خلوا من قبلهم وما زادهم إلا إيمانا وتسليما لحكم الله وأمره، وهذه حال أقوام في هذه الغزوة قالوا ذلك.

وكذلك قوله: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} أى عهده الذى عاهد الله عليه، فقاتل حتى قتل، أو عاش.

والنحب: النذر والعهد، وأصله من النحيب، وهو الصوت، ومنه الإنتحاب في البكاء، وهو الصوت الذى تكلم به في العهد، ثم لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق في اللقاء، ومن صدق في اللقاء فقد يقتل، صار يفهم من قوله قضى نحبه: أنه إستشهد، لا سيما إذا كان النحب نذر الصدق في جميع المواطن، فإنه لا يقضيه إلا بالموت، وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد، كما قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} أى أكمل الوفاء، وذلك لمن كان عهده مطلقا بالموت أو القتل، {ومنهم من ينتظر} قضاءه، إذا كان قد وفى البعض فهو ينتظر تمام العهد - وأصل القضاء الأتمام والأكمال -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت