الصفحة 2 من 4

إلى من يصل إليه من المؤمنين"2"

[الكاتب: ابن تيمية]

فانا نحمد اليكم الله الذى لا اله الا هو وهو للحمد اهل وهو على كل شيء قدير ونسأله ان يصلي على صفوته من خليفته وخيرته من بريته محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

اما بعد فقد صدق الله وعده ونصر عبده واعز جنده وهزم الأحزاب وحده ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا، والله تعالى يحقق لنا التمام بقوله: {وانزل الذين ظاهروهم من اهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا واورثكم ارضهم وديارهم واموالهم وارضا لم تطأوها وكان الله على كل شيء قدير} .

فان هذه الفتنة التى ابتلى بها المسلمون مع هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الاسلام قد جرى فيها شبيه بما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغازى التى انزل الله فيها كتابه وابتلى بها نبيه والمؤمنين، مما هو اسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا الى يوم القيامة.

فان نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظى والمعنوى او بالعموم المعنوى، وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة كما نالت اولها، وانما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأممم لتكون عبرة لنا فنشبه حالنا بحالهم ونقيس اواخر الامم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين، كماقال تعالى - لما قص قصة يوسف مفصلة واجمل قصص الانبياء - ثم قال: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى} ، اى هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة كنحو مايذكر في الحروب من السير المكذوبة.

وقال تعالى لما ذكر قصة فرعون: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ان في ذلك لعبرة لمن يخشى} . وقال في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع اعدائه ببدر وغيرها: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله واخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء ان في ذلك لعبرة لأولى الأبصار} .

وقال تعالى في محاصرته لبنى النضير: {هو الذى اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم ان يخرجوا وظنوا انهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وايدى المؤمنين فاعتبرو يا أولى لأبصار} .

فأمرنا ان نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمة وممن قبلها من الامم.

وذكر في غير موضع ان سنته في ذلك سنة مطردة وعادته مستمرة، فقال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها الاقليلا ملعونين اينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} .

وقال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} .

واخبر سبحانه ان دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين!

فينبغى للعقلاء ان يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الامم وعاداتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التى طبق الخافقين خبرها واستطار في جميع ديار الاسلام شررها، واطلع فيها النفاق ناصية رأسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيها عمود الكتاب ان يجتث ويخترم وحبل الايمان ان ينقطع ويصطلم وعقر دار المؤمنين ان يحل بها البوار وان يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار.

وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض ان ما وعدهم الله ورسوله الا غرورا وان لن ينقلب حزب الله ورسوله الى اهليهم ابدا وزين ذلك في قلوبهم وظنوا ظن السوء وكانوا قوما بورا.

ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وانزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والاخوان حتى بقى للرجل بنفسه شغل عن ان يغيث اللهفان، وميز الله فيها اهل البصائر والايقان من الذين فىقلوبهم مرض او نفاق وضعف ايمان، ورفع بها اقواما الى الدرجات العاليه كما خفض بها اقواما الى المنازل الهاوية، وكفر بها عن آخرين اعمالهم الخاطئة، وحدث من انواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة الكبرى.

فان الناس تفرقوا فيها ما بين شقى وسعيد، كما يتفرقون كذلك في اليوم الموعود.

وفر الرجل فيها من اخيه وامه وابيه اذ كان لكل امرىء منهم شأن يغنيه.

وكان من الناس من اقصى همته النجاة بنفسه لا يلوى على ماله ولا ولده ولا عرسه، كما ان منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال، وآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال، وآخر منزلتة الشفيع المطاع، وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع.

ولم تنفع المنفعه الخالصة من الشكوى الا الايمان والعمل الصالح والبر والتقوى.

وبليت فيها السرائر، وظهرت الخبايا التى كانت تكنها الضمائر، وتبين ان البهرج من الاقوال والأعمال يخون صاحبه احوج ما كان اليه في المآل، وذم سادته وكبراءه من اطاعهم فأضلوه السبيلا، كما حمد ربه من صدق في ايمانه فاتخذ مع الرسول سبيلا، وبان صدق ما جاءت به الآثار النبوية من الأخبار بما يكون وواطأتها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون، كما تواطأت عليه المبشرات التىريها المؤمنون.

وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم الى يوم القيامة، حيث تحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذل له، وآخر حارج عن شريعة الاسلام.

وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور وآخر قد غره بالله الغرور، وكان هذا الامتحان تمييزا من الله وتقسيما {ليجزى الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ان شاء او يتوب عليهم ان الله كان غفورا رحيما} .

ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة:

ان الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرع له الجهاد إباحة له اولا، ثم ايجابا له ثانيا لما هاجر الى المدينة وصار له فيها انصار ينصرون الله ورسوله، فغزا بنفسه صلى الله عليه وسلم مدة مقامة بدار الهجرة - وهو نحو عشر سنين - بضعا وعشرين غزوة، اولها غزوة بدر وآخرها غزوة تبوك.

انزل الله في اول مغازيه سورة الانفال، وفى آخرها سورة براءة، وجمع بينهما فىلمصحف لتشابه اول الأمر وآخره، كما قال امير المؤمنين عثمان لما سئل عن القرآن بين السورتين من غير فصل بالبسملة.

وكان القتال منها في تسع غزوات، فأول غزوات القتال بدر وآخرها حنين والطائف، وانزل الله فيها ملائكته كما اخبر به القرآن، ولهذا صار الناس يجمعون بينهما في القول وان تباعد ما بين الغزوتين مكانا وزمانا.

فان بدرا كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ما بين المدينة ومكة شامى مكة.

وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة - وحنين واد قريب من الطائف شرقى مكة - ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائمها بالجعرانة، واعتمر من الجعرانة، ثم حاصر الطائف فلم يقاتله اهل الطائف زحفا وصفوفا وانما قاتلوه من وراء جدار، فآخر غزوة كان فيها القتال زحفا واصطفافا هى غزوة حنين.

وكانت غزوة بدر اول غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار وقتل الله اشرافهم واسر رءوسهم مع قلة المسلمين وضعفهم، فانهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، ليس معهم الافرسان، وكان يعتقب الاثنان والثلاثة على البعير الواحد، وكان عدوهم بقدرهم اكثر من ثلاث مرات في قوة وعدة وهيئة وخيلاء.

فلما كان من العام المقبل غزا الكفار المدينة، وفيها النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه، فخرج اليهم النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه في نحو من ربع الكفار وتركوا عيالهم بالمدينة لم ينقلوهم الى موضع آخر، وكانت اولا الكرة للمسلمين عليهم، ثم صارت للكفار، فانهزم عامة عسكر المسلمين -الا نفرا قليلا حول النبى صلىلله عليه وسلم، منهم من قتل ومنهم من جرح - وحرصوا على قتل النبى صلى الله عليه وسلم، حتى كسروا رباعيته وشجوا جبينه وهشموا البيضة على رأسه.

وانزل الله فيها شطرا من سورة آل عمران من قوله: {واذ غدوت من اهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال} .

وقال فيها: {ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم} .

وقال فيها: {ولقد صدقكم الله وعده اذ تحسنوهم باذنه حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما اراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} .

وقال فيها: {او لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم ان الله على كل شىء قدير} .

وكان الشيطان قد نعق في الناس ان محمدا قد قتل، فمنهم من تزلزل لذلك فهرب، ومنهم من ثبت فقاتل، فقال الله تعالى: {وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين} .

وكان هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضى، وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضى بذنوب ظاهرة وخطايا واضحة من فساد النيات والفخر والخيلاء والظلم والفواحش والاعراض عن حكم الكتاب والسنة وعن المحافظة على فرائض الله والبغى على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم.

وكان عدوهم في اول الامر راضيا منهم بالموادعة والمسالمة شارعا فىلدخول في الاسلام وكان مبتدئا في الايمان والأمان، وكانوا هم قد اعرضوا عن كثير من احكام الايمان.

فكان من حكمه الله ورحمته بالمؤمنين ان ابتلاهم بما ابتلاهم به ليمحص الله الذين آمنوا، وينيبوا الى ربهم وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الاسلام، فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام.

فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم - الذي هوعلى الحال المذكورة - لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف.

كما ان نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة وهزيمتهم يوم احد كان نعمة ورحمة علىلمؤمنين، فان النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يقضى الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له وليس ذلك لأحد الا للمؤمن ان اصابته سراء فشكر الله كان خيرا له وان اصابته ضراء فصبر كان خيرا له ) ).

فلما كانت حادثة المسلمين عام اول شبيهة بأحد، وكان بعد احد بأكثر من سنة وقيل بسنتين قد ابتلى المسلمون عام الخندق.

كذلك في هذا العام ابتلى المؤمنون بعدوهم كنحو ماابتلى المسلمون مع النبى صلى الله عليه وسلم عاما الخندق، وهي غزوة الأحزاب، التى انزل الله فيها سورة الأحزاب، وهى سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة التى نصر الله فيها عبده صلى الله عليه وسلم، واعز فيها جنده المؤمنين، وهزم الأحزاب الذين تحربوا عليه وحده بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم، وذكر فيها خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقوقه وحرمته وحرمة اهل بيته لما كان هو القلب الذي نصره الله فيها بغير قتال، كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء وظهر فيها سر تأييد الدين، كما ظهر في غزوة الخندق، وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق.

وذلك ان الله تعالى منذ بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأعزه بالهجرة والنصرة، صار الناس ثلاثة اقسام: قسما مؤمنين وهم الذين آمنوا به ظاهرا وباطنا، وقسما كفارا وهم الذين اظهروا الكفر به، وقسما منافقين وهم الذين آمنوا ظاهرا لا باطنا.

ولهذا افتتح سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة آية في صفة المنافقين.

وكل واحد من الايمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وكما فسره امير المؤمنين علي بن ابى طالب رضي الله عنه في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائمه وشعبه.

فمن النفاق ما هو اكبر يكون صاحبه فىلدرك الأسفل من النار - كنفاق عبد الله بن ابي وغيره - بأن يظهر تكذيب الرسول او جحود بعض ما جاء به او بغضه او عدم اعتقاد وجوب اتباعه او المسرة بانخفاض دينه او المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه الا عدوا لله ورسوله.

وهذا القدر كان موجودا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زال بعده، بل هو بعده اكثر منه على عهده، لكون موجبات الايمان على عهده أقوى، فاذا كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجودا فوجوده فيما دون ذلك اولى.

وكما انه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض المنافقين ولا يعلم بعضهم كما بينه قوله: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن اهل المدينة مردوا علىلنفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} كذلك خلفاؤه بعد وروثته قد يعلمون بعض المنافقين ولايعلمون بعضهم، وفى المنتسبين الى الاسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون في الخاصة والعامة ويسمون الزنادقة.

وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر لكون ذلك لا يعلم، اذ هم دائما يظهرون الأسلام، وهؤلاء يكثرون في المتفلسفة من المنجمين ونحوهم ثم فىلأطباء ثم في الكتاب اقل من ذلك، ويوجدون في المتصوفة والمتفقهة وفى المقاتلة والأمراء وفىلعامة ايضا، ولكن يوجدون كثيرا في نحل أهل البدع لا سيما الرافضة ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس فىحد من اهل النحل، ولهذا كانت الخرمية والباطنية والقرامطة والاسماعيلية والنصيرية ونحوهم من المنافقين والزنادقة منتسبة الى الرافضة.

وهؤلاء المنافقون في هذه الاوقات لكثير منهم ميل الى دولة هؤلاء التتار، لكونهم لا يلزمونهم شريعة الأسلام بل يتركونهم وما هم عليه، وبعضهم انما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا واستيلائهم على الاموال واجترائهم على الدماء والسبى لا لأجل الدين.

فهذا ضرب النفاق الأكبر.

واما النفاق الاصغر فهو النفاق في الأعمال ونحوها، مثل ان يكذب اذا حدث، ويخلف اذا وعد، ويخون اذا ائتمن، او يفجر اذا خاصم.

ففى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( آيةالمنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا ائتمن خان ) )، وفى رواية صحيحه: (( وان صلى وصام وزعم انه مسلم ) )، وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر ) ).

ومن هذا الباب الاعراض عن الجهاد فانه من خصال المنافقين.

قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق ) ) [رواه مسلم] .

وقد أنزل الله سورة براءة، التى تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، اخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس قال: (هى الفاضحة، ما زالت تنزل، ومنهم، ومنهم، حتى ظنوا ان لا يبقى احد الا ذكر فيها) .

وعن المقداد بن الأسود قال: (هي سورة البحوث، لأنها بحثت عن سرائرالمنافقين) .

وعن قتادة قال: (هي المثيرة لانها اثارت مخازى المنافقين) .

وعن ابن عباس قال: (هي المبعثرة) - والبعثرة والاثارة متقاربان -

وعن ابن عمر: (انها المقشقشة، لانها تبرىء من مرض النفاق) ، يقال تقشقش المريض اذا برأ.

وقال الأصمعى: (وكان يقال لسورتى الاخلاص وبراءةالمقشقشتان لانهما يبرئان من النفاق) .

وهذه السورة نزلت في آخر مغازى النبى صلى الله عليه وسلم: غزوة تبوك عام تسع من الهجرة، وقد عز الاسلام وظهر، فكشف الله فيها احوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن وترك الجهاد ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله والشح على المال.

وهذان داءان عظيمان: الجبن والبخل، قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع ) ) [حديث صحيح] ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار، كما دل عليه قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هوشر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوما القيامة} ، وقال تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} .

واما وصفهم بالجبن والفزع فقال تعالى: {ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هو منكم ولكنهم قوم يفرقون لويجدون ملجأ او مغارات او مدخلا لولوا اليه وهم يجمحون} ، فأخبر سبحانه انهم وان حلفوا انهم من المؤمنين فما هم منهم، ولكن يفزعون من العدو فلو يجدون ملجأ يلجأون اليه من المعاقل والحصون التى يفر اليها من يترك الجهاد {او مغارات} : وهي جمع مغارة، ومغارات سميت بذلك لأن الداخل يغور فيها، اى يستتر كما يغور الماء.

{او مدخلا} : وهو الذى يتكلف الدخول اليه اما لضيق بابه او لغير ذلك - أى مكانا يدخلون اليه، ولو كان الدخول بكلفة ومشقة لولوا عن الجهاد اليه.

{وهم يجمحون} اى يسرعون اسراعا لا يردهم شىء، كالفرس الجموح الذى اذا حمل لا يرده اللجام.

وهذا وصف منطبق على اقوام كثيرين في حادثتنا وفيما قبلها من الحوادث وبعدها.

وكذلك قال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: {فاذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم} اى فبعدا لهم {طاعة وقول معروف فاذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} .

وقال تعالى: {انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد} .

وقال تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ان يجاهدو بأموالهم وانفسهم والله عليم بالمتقين انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} فهذا اخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد، وانما يستأذنه الذى لا يؤمن، فكيف بالتارك من غير استئذان.

ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متظافرة على هذا المعنى.

وقال في وصفهم بالشح: {وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولاينفقون الا وهم كارهون} ، فهذه حال من انفق كارها، فكيف بمن ترك النفقة رأسا.

وقال: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فان اعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون} .

وقال: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} .

وقال في السورة: {يا ايها الذين آمنوا ان كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} ، فانتظمت هذه الآية حال من اخذ المال بغير حقه، او منعه من مستحقه من جميع الناس، فان الأحبار هم العلماء والرهبان هم العباد، وقد اخبر ان كثيرا منهم يأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون -اى يعرضون ويمنعون، يقال: صد عن الحق صدودا وصد غيره صدا-

وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل من وقف او عطية على الدين، كالصلاة والنذور التى تنذر لأهل الدين، ومن الأموال المشتركة كأموال بيت المال ونحو ذلك، فهذا فيمن يأكل المال بالباطل بشبهة دين.

ثم قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله، والجهاد احق الاعمال باسم سبيل الله سواء كان ملكا اومقدما او غنيا او غير ذلك، واذا دخل في هذا ما كنز من المال الموروث والمكسوب، فما كنز من الأموال المشتركة التى يستحقها عموم الأمة ومستحقها مصالحهم اولى واحرى.

فصل:

فإذا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق، فإذا قرأ الإنسان سورة الأحزاب، وعرف من المنقولات في الحديث والتفسير والفقه والمغازى كيف كانت صفة الواقعة التى نزل بها القرآن، ثم إعتبر هذه الحادثة بتلك، وجد مصداق ما ذكرنا، وأن الناس إنقسموا في هذه هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة، كما إنقسموا في تلك، وتبين له كثير من المتشابهات.

إفتتح الله السورة بقوله: {يا أيها النبى إتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} .

وذكر في أثنائها قوله: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين} .

ثم قال: {وإتبع ما يوحى إليك من ربك أن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} ، فأمره بإتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة، التى هى سنته، وبأن يتوكل على الله، فبالأولى يحقق قوله: {إياك نعبد} وبالثانية يحقق قوله: {وإياك نستعين} ومثل ذلك قوله: {فأعبده وتوكل عليه} وقوله: {عليه توكلت وإليه أنيب} .

وهذا وإن كان مأمورا به في جميع الدين فإن ذلك فىلجهاد أوكد، لأنه يحتاج إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين، وذلك لا يتم إلا بتأييد قوى من الله، ولهذا كان الجهاد سنام العمل وإنتظام سنام جميع الأحوال الشريفة:

ففيه سنام المحبة، كما في قوله: {فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} .

وفيه سنام التوكل، وسنام الصبر، فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل ولهذا قال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} ، وقال موسى لقومه: إستعينوا بالله وأصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

ولهذا كان الصبر واليقين اللذين هما أصل التوكل يوجبان الإمامة في الدين، كما دل عليه قوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} .

ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية، التى هى محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: (إذا إختلف الناس في شىء فإنظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم، لأن الله يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت