وأطرقت برأسها، فعلمت أنها تبكي فبكيت بيني وبين نفسي لبكائها، ثم رفعت رأسها، وعادت إلى حديثها تقول: وما هي إلا أعوام قلائل حتى أنفق جميع ما كان في يده من المال فكان لا بد له أن يستدين ففعل، فأثقله الدين فرهن، فعجز عن الوفاء فباع جميع ما يملك حتى هذا البيت الذي نسكنه، ولم يبق في يده غير راتبه الشهري الصغير، بل لم يبق في يده شيء حتى راتبه؛ لأنه لا يملكه إلا ساعة من نهار، ثم هو بعد ذلك ملك للدائنين، أو غنيمة للمقامرين.
هذا ما صنعت يد الدهر به، أما ما صنعت بي وبأولادي، فقد مر على آخر حلية بعتها من حلاي عام كامل، وها هي حوانيت المرابين والمسترهنين ملأى بملابسي، وأدوات بيتي وأثاثه، ولو لا رجل من ذوي قرباي رقيق الحال يعود علي من حين إلى حين بالنزر القليل مما يستله من أشداق عياله لهلكت وهلك أولادي جوعا.
فلعلك تستطيع يا سيدي أن تكون عونا لي على هذا الرجل المسكين، فتنقذه من شقائه وبلائه بما ترى له في ذلك الرأي الصالح، وأحسب أن تقدر منه - للمنزلة التي تنزلها من نفسه- على ما عجز عنه الناس جميعا، فإن فعلت أحسنت إليه وإلينا إحسانًا لا ننسى يدك فيه حتى الموت.