ثم حيتني ومضت لسبيلها، فسألت الغلام عن الساعة التي أستطيع أن أرى أباه فيها في المنزل، فقال: إنك تراه في الصباح قبل ذهابه إلى الديوان، فانصرفت لشأني، وقد أضمرت بين جنبي لوعة ما زالت تقيمني وتقعدني وتذود عن عيني سنة الكرى حتى انقضى الليل، وما كاد ينقضي.
ثم عدت في صباح اليوم الثاني لأرى ذلك الصديق القديم الذي كنت بالأمس أسعد الناس به، ولا أعلم ما مصير أمري معه بعد ذلك، وفي نفسي من القلق والاضطراب ما يكون في نفس الذاهب إلى ميدان سباق قد خاطر فيه بجميع ما يمتلك؛ فهو لا يعلم أيكون بعد ساع أسعد الناس أم أشقاهم؟
الآن عرفت أن الوجوه مرايا النفوس تضيء بضيائها وتظلم بظلامها فقد فارقت الرجل منذ سبع سنوات فأنستني الأيام صورته، ولم يبق في ذاكرتي منها إلا ذلك الضياء اللامع، ضياء الفضيلة والشرف الذي كان يتلألأ فيها تلألؤ نور الشمس في صفحتها، فلما رأيته الآن، ولم أر أمام عيني تلك الغلالة البيضاء التي كنت أعرفها، خيل إلي أنني أرى صورة غير الصورة الماضية، ورجلا غير الذي كنت أعرفه من قبل.
لم أر أمامي ذلك الفتى الجميل الوضاح الذي كان