ج / 1 ص -32- حيث الصورة ساكن من حيث المعنى ولهذا لم يذكر البخاري هذا القيد حيث جاء بلفظ الراكد بدل الدائم . وكذلك مسلم في حديث جابر وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر . وعلى هذا يكون قوله: لا يجري صفة مخصصة لا حد معنى المشترك . وقيل الدائم والراكد مقابلان للجاري لكن الدائم الذي له نبع والراكد الذي لا نبع له .
قوله:"ثم يغتسل فيه"ضبطه النووي في شرح مسلم بضم اللام قال في الفتح: وهو المشهور قال النووي أيضًا: وذكر شيخنا أبو عبد اللَّه ابن مالك أنه يجوز أيضًا جزمه عطفًا على موضع يبولن ثم نصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع فأما الجزم فلا مخالفة بينه وبين الأحاديث الدالة على أنه يحرم البول في الماء الدائم على انفراده والغسل على انفراده كما تقدم في باب بيان زوال تطهيره لدلالته على تساوي الأمرين في النهي عنهما . وأما النصب فقال النووي: لا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم لا وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر وتعقبه ابن هشام في المغني فقال إنه وهم وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب لا في المعية . قال: وأيضًا ما أورده إنما جاء من قبيل المفهوم لا المنطوق وقد قام دليل آخر على عدم إرادته ونظيره إجازة الزجاج والزمخشري في قوله: تعالى {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} كون تكتموا مجزومًا وكونه منصوبًا مع أن النصب معناه النهي اهـ . وقد اعترض الجزم القرطبي بما حاصله أنه لو أراد النهي عنه لقال ثم يغتسلن بالتأكيد وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد لاحتمال أن يكون للتأكيد معنى في أحدهما ليس في الآخر اهـ .
والحاصل أنه قد ورد النهي عن مجرد الغسل من دون ذكر للبول كحديث أبي هريرة المتقدم في باب بيان زوال تطهير الماء وورد النهي عن مجرد البول من دون ذكر للغسل كما في صحيح مسلم أنه صلى اللَّه عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد والنهي عن كل واحد منهما على انفراده يستلزم النهي عن فعلهما جميعًا بالأولى .
وقد ورد النهي عن الجمع بينهما في حديث الباب إن صحت رواية النصب والنهي عن كل واحد منهما في حديث عند أبي داود ويدل عليه حديث الباب على رواية الجزم وأما على رواية الرفع فقال القرطبي: إنه نبه بذلك على مآل الحال ومثله بقوله: صلى اللَّه عليه وسلم"لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها"أي ثم هو يضاجعها والمراد النهي عن الضرب لأن الزوج يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها فيكون المراد ههنا النهي عن البول في الماء لأن البائل يحتاج في مآل حاله إلى التطهر به فيمتنع ذلك للنجاسة . قال النووي: وهذا النهي في بعض المياه للتحريم وفي بعضها للكراهة فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه ولكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلًا جاريًا فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي يكره والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه ولأن النهي يقتضي