ج / 1 ص -2- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار
محمد بن علي بن محمد الشوكاني
الجزء الأول
بسم اللَّه الرحمن الرحيم .
أحمدك يا من شرح صدورنا بنيل الأوطار من علوم السنة . وأفاض على قلوبنا من أنوار معارفها ما أزاح عنا من ظلم الجهالات كل دجنة [ الدجنة: بضم الدال المهملة والجيم المعجمة وتشديد النون الظلمة وجمعها الأجنات: والدياجي الليالي المظلمة ] . وحماها بحماة صفدوا بسلاسل أسانيدهم الصادقة أعناق الكاذبين . وكفاها بكفاة كفوا عنها أكف غير المتأهلين من المنتابين المرتابين . فغدا معينها الصافي غير مقذر بالأكدار . وزلال عذبها الشافي غير مكدر بالأقذار .
والصلاة والسلام على المنتقى من عالم الكون والفساد . المصطفى لحمل أعباء أسرار الرسالة الإلهية من بين العباد . المخصوص بالشفاعة العظمى في يوم يقول فيه كل رسول نفسي نفسي ويقول أنا لها أنا لها . القائل بعثت إلى الأحمر والأسود أكرم بها مقالة ما قالها نبي قبله ولا نالها . وعلى آله المطهرين من جميع الأدناس والأرجاس . الحافظين لمعالم الدين عن الاندراس والانطماس . وعلى أصحابه الجالين بأشعة بريق صوارمهم دياجر [ الدياجر: جمع ديجور الظلام ] .
الكفران . الخائضين بخيلهم ورجلهم لنصرة دين اللَّه بين يدي رسول اللَّه كل معركة تتقاعس عنها الشجعان .
ـ وبعد ـ [ الذي ورد في كلام النبوة وخطب الصحابة وما ثبت عن العرب الإتيان بأما بعد إذا أرادوا الانتقال في كلامهم وخطبهم وأما إبدالها واوًا فطريقة المتأخرين ولا داعي لهذا كما يدعون فالأولى محاكاة ما كان عليه سلفنا واللَّه أعلم ] . فإنه لما كان الكتاب الموسوم بالمنتقى من الأخبار في الأحكام . مما لم ينسج على بديع منواله . ولا حرر على شكله ومثاله أحد من الأئمة الأعلام . قد جمع من السنة المطهرة ما لم يجتمع في غيره من الأسفار . وبلغ إلى غاية في الإحاطة بأحاديث الأحكام تتقاصر عنها الدفاتر الكبار . وشمل من دلائل المسائل جملة نافعة تفنى دون الظفر ببعضها طوال الأعمار . وصار مرجعًا لجلة العلماء عند الحاجة إلى طلب الدليل لا سيما في هذه الديار وهذه الأعصار . فإنها تزاحمت علي مورده العذب أنظار المجتهدين . وتسابقت على الدخول في أبوابه أقدام الباحثين من المحققين . وغدا ملجأ للنظار يأوون إليه . ومفزعًا للهاربين من رق التقليد يعولون عليه . وكان كثيرًا ما يتردد الناظرون في صحة بعض دلائله . ويتشكك الباحثون في الراجح والمرجوح عند تعارض بعض مستندات مسائله . حمل حسن الظن بي جماعة من حملة العلم بعضهم من مشايخي على أن التمسوا مني القيام بشرح هذا الكتاب . وحسنوا لي السلوك في هذه المسالك الضيقة التي يتلون الخريت [ الخريت: بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء المهملة الماهر الذي يهتدي لإخرات المفازة وهي طرقها الخفية ومضايقها ] . [ هيهات أن يتم إثبات الاجتهاد، ناهيك إثبات المجتهد المطلق، فلهذا الأخير شروط دونها خرط القتاد، منها إجماع علماء الأمة على إمامتة وأهليته للاجتهاد المطلق، وإن لم يكن الأمر كذلك لرأينا مئات المذاهب بل الآلاف، مما لا يخدم إلا الشيطان وأعداء الإسلام . دار الحديث ] في موعرات شعابها والهضاب . فأخذت في إلقاء المعاذير . وأبنت تعسر هذا المقصد على جميع التقادير . وقلت: القيام بهذا الشأن يحتاج إلى جملة من الكتب يعز وجودها في هذه الديار . والموجود منها محجوب بأيدي جماعة عن الأبصار بالاحتكار والادخار كما تحجب الأبكار . ومع هذا فأوقاتي مستغرقة بوظائف الدرس