الصفحة 22 من 44

الجهاد في الإسلام عبادة من أجلّ العبادات، بل هو ذروة سنام الإسلام - كما أخبر سيد المرسلين -

والجهاد - كما رأينا - مرّ بمراحل، أي استقر حكمه في المرحلة الأخيرة على وجوب قتال الكفار من قاتلنا منهم ومن كفّ عنّا حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، هذه المرحلة استقر عندها حكم الجهاد ومات عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ...

قال ابن كثير: (وقام بالأمر بعده وزيره وصدّيقه وخليفته أبو بكر الصّديق رضي الله عنه، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل فثبته الله تعالى به، فوطّد القواعد وثبّت الدعائم وردّ شارد الدين وهو راغم وردّ أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها وبيّن الحق لمن جهله وأدى عن رسول الله ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان ... ) اهـ.

أنظر تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} .

وقد انفرد أبو بكر رضي الله عنه دون الخلفاء من بعده بهذه المزية، ألا وهي قتال المرتدين حفظا لرأس مال الإسلام.

كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: (و الذي لا إله إلا هو لولا أبا بكر أُستخلف؛ ما عبد الله) .

وفي الحديث الثابت في الصحيحين قال رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه) [140] .

واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره؛ على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعلم الصحابة، لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه [141] .

البلاغ العام:

ذكر الطبري في تاريخه من طريق سيف؛ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب كتابا إلى أهل الردة قال فيه: (وإني بعثت إليكم فلانا في جيش المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأمرته ألا يقبل من أحد إلا الإيمان بالله، وأن لا يقتله حتّى يدعوه إلى الله عزّ وجل) [142] .

وقال في رسالة ثانية إلى الجند والأمراء: (ومن لم يجب داعية الله؛ قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمه، لا يقبل من أحد شيء أعطاه إلا الإسلام) [143] .

تنبيه مفيد:

قال ابن القيم: (ومنها أن المسلمين يدعون الكفار قبل قتالهم إلى الإسلام، وهذا واجب إن كانت الدعوة لم تبلغهم ومستحب إن بلغتهم الدعوة، هذا إذا كان المسلمون هم القاصدون للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم بغير دعوة لهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم) [144] .

قال محمد بن الحسين الشيباني: (لأن المسلم لو شهر سيفه على مسلم حلّ للمشهور عليه سيفه قتله للدفع عن نفسه، فهنا أولى، والمعنى في ذلك أنهم لو اشتغلوا بالدعوة إلى الإسلام فربما يأتي السبي والقتل على حرم المسلمين وأموالهم وأنفسهم، فلا يجب الدعاء) [145] .

نهاية الحرب:

عن طارق بن شهاب قال: (جاء وفد بزاخة من أسد إلى أبي بكر يسألونه الصلح، فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية، فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ فقال: ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم ما أصبنا منكم وتردّون علينا ما أصبتم منّا، وتدون قتلانا وتكون قتلاكم في النّار وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتّى يُري الله خليفة رسوله والمهاجرين والأنصار أمرا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أمّا ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية؛ فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت نغنم ما أصبنا منهم وتردون ما أصبتم منّا؛ فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النّار؛ فإن قتلانا قاتلت فقتلت على أمر الله، أجورها على الله، ليس لها ديات، فتبايع القوم على ما قال عمر) [146] .

المجلية؛ المفرقة لأهلها لشدة وقعها وتأثيرها، وقال الحافظ: (معناها الخروج عن جميع المال) ، والمخزية؛ مأخوذة من الخزي ومعناها؛ القرار على الذل والصغار، والحلقة؛ السلاح، والكراع؛ جميع الخيل، وفائدة نزع ذلك منهم؛ أن لا يبقى لهم شوكة ليأمن النّاس من جهتهم ... يتبعون أذناب الإبل؛ أي في رعايتها لهم إذا نزعت منهم آلة الحرب رجعوا أعرابا في البوادي لا عيش لهم إلا ما يعود عليهم من منافع إبلهم

قال ابن بطال: (كانوا ارتدوا ثم تابوا، فأوفدوا رسلهم إلى أبي بكر يعتذرون إليه، فأحب أبو بكر أن لا يقضي بينهم إلا بعد المشاورة في أمرهم، فقال لهم: ارجعوا واتبعوا أذناب البقر في الصحاري) اهـ.

"والذي يظهر أن المراد بالغاية التي أنظرهم إليها؛ أن تظهر توبتهم وصلاحهم بحسن إسلامهم" [147] .

قال الشوكاني: (وقد استدل بالأثر؛ أنه يجوز مصالحة الكفار المرتدين على أخذ أسلحتهم وخيلهم وردّ ما أصابوه من المسلمين) [148] .

فوائد ما سبق:

1)اختلف الصحابة في قتال المرتدين، ثم ترجح قول أبي بكر رضي الله عنه، ومضى القوم عليه.

2)تضمنت رسالة البلاغ العام لأهل الردّة أن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل والقتال لا غير.

3)حين جاء وفد بزاخة يسألون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح؛ خيّرهم بين الحرب المجلية أو السّلم المخزية.

4)مجيء الوفد يسأل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح وتخييره لهم بين الحرب المجلية أو السّلم المخزية؛ يدل على أن الحرب حقّقت هدفها، فغاية الحرب أن يكون الدّين كله لله، ومن كون الدّين كله لله إذلال للكفر وأهله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزّهم وإقامة دينهم كما يحبون، بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة.

5)ورود كلمة"الصلح"في الحديث لا يستلزم بقاؤهم على الردة، بل جاؤوا تائبين كما وضّح ذلك ابن بطال بقوله: (كانوا ارتدوا ثم تابوا فأوفدوا رسلهم ... ) ، ويوضحه ابن تيمية بقوله: (بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام) .

6)استنبط الإمام الشوكاني من الأثر؛ جواز مصالحة المرتدين على أخذ أسلحتهم وخيلهم وردّ ما أصابوه من المسلمين، وقد يفهم البعض من ذلك أن الإمام يقول بجواز مصالحة المرتدين بكف القتال عنهم والدخول في حكمهم - كما هو مطروح اليوم في السّاحة -

وهذا الفهم مردود بما يلي:

-ما سبق ذكره من رسالة أبي بكر لأهل الردّة؛ وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل والقتال، وكلام ابن بطال وابن تيمية ما يلزم أن لا يعقد لهم صلح يبقيهم على ردتهم.

-ما ورد في نص مصالحة خالد بن الوليد رضي الله عنه لبني حنيفة: (هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد ابن مجاعة مرارة وسلمة بن عمير وفلان، قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ومزرعة، على أن يسلموا، ثم أنتم آمنون بأمان الله) [149]

وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا جميعا ورجعوا إلى الحق) [150] .

-الإمام الشوكاني أورد الأثر في آخر أبواب أحكام الردة والإسلام، تحت باب"حكم أموال المرتدين وجناياتهم"، وكان قد وضع في أول الأبواب"باب قتل المرتد"وأورد فيه حديث: (من بدّل دينه فاقتلوه) ، ممّا يدل على حكم الشوكاني في المرتد هو القتل أو الإسلام، واستنباطه المشار إليه إنما هو بعد إسلامهم ...

7)سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع المرتدين؛ محلّ إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فقد تبايعوا على رأي أبي بكر في حربهم، وعلى قراره فيهم حين جاءوا يسألون الصّلح بعد المشورة وقول عمر رضي الله عنه.

[140] بل اثر عليه رضي الله عنه: (والله لو لم يبق إلا الذر لجاهدتهم به) .

[141] بتصرف العمدة: ص438.

[142] تاريخ الطبري: 3/ 451.

[143] ص 252.

[144] أحكام أهل الذمة: 1/ 5.

[145] السير الكبير، ذكرت هذا حتى لا يشوش علينا أحد بمسألة دعوة هذه الطوائف المرتدة.

[146] رواه البرقاني على شرط البخاري، واخرج بعضه البخاري.

[147] فتح الباري: 13/ 210 - 211.

[148] نيل الأوطار: 8/ 22.

[149] تاريخ الطبري: 3/ 298.

[150] البداية والنهاية: 6/ 325.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت