وما بحثه"المحقق"صحيح لا غبار عليه؛ ولذلك قال الشيخ"عُمَرُ بْنُ نُجَيْمٍ" (1) : وأما القسمة وما بعدها؛ فلأن النجاسة باقية أيضًا, وإنما جاز الانتفاع لوقوع الشك في الموجود أبقيت النجاسة فيه أم لا ؟ وفي «خزانة الأكمل» (2) إذا اشتبه موضع النجاسة على ثوبه (3)
(1) هو: الإمام سراج الدين, عمر بن إبراهيم بن محمد, المصري الحنفي, المعروف بابن نجيم, وهو أخو زين الدين ابن نجيم, توفي سنة 1005هـ,, من تصنيفاته: إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل, وعقد الجوهر في الكلام على سورة الكوثر, النهر الفائق بشرح كنز الدقائق. ينظر كشف الظنون لحاجي خليفة 2/1516, هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي 1/796, الأعلام للزركلي 5/39, معجم المؤلفين لعمر كحالة 7/271.
(2) خزانة الأكمل ) في الفروع, لأبي يعقوب, يوسف بن علي بن محمد, الجرجاني الحنفي, المتوفى بعد سنة 522هـ, ذكر فيه أن هذا الكتاب محيط بجل مصنفات الأصحاب, بدأ بكافي الحاكم, ثم بالجامعين, ثم بالزيادات ثم بمجرد ابن زياد, والمنتقى, والكرخي, وشرح الطحاوي, وعيون المسائل, وغير ذلك, أشار الزركلي إلى أنه مخطوط, يوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة الأسد الوطنية بدمشق برقم: (9416) . ينظر كشف الظنون لحاجي خليفة 1/702, الأعلام للزركلي 8/242, معجم المؤلفين لعمر كحالة 13/319.
(3) من شروط صحة الصلاة: طهارة البدن والثوب والمكان, فإذا أصابت النجاسة شيئا من ذلك وعلم مكانه وجب إزالتها بغسل الجزء الذي أصابته النجاسة بالاتفاق, أما إذا خفي موضع النجاسة ولم يعلم في أي جزء هي ؟ مثل مسألتنا هذه (الثوب النجس بعضه مع وقوع الاشتباه في جميع أجزائه ) , فإنه عند الجمهور: يجب غسل الثوب كله أو البدن كله ; لأن النجاسة موجودة على اليقين, ولا يحصل اليقين بزوالها إلا بغسل جميع ما وقع فيه الاشتباه, والنضح أوالغسل للبعض لا يزيل النجاسة فلا بد من غسله كاملًا, وفي قول عند الحنفية: إذا غسل موضعًا من الثوب يحكم بطهارة الباقي, قال الكاساني في بدائع الصنائع 1/81: (( ولو أن ثوبا أصابته النجاسة - وهي كثيرة - فجفت, وذهب أثرها, وخفي مكانها ; غسل جميع الثوب وكذا لو أصابت أحد الكمين ولا يدري أيهما هو; غسلهما جميعا, وكذا إذا راثت البقرة أو بالت في الكديس _( الكديس هو العُرْمَة من الطعام والتمر والدراهم ونحو ذلك, والجمع أَكداس,. لسان العرب لابن منظور 6/192.) - ولا يُدرى مكانه, غسل الكل احتياطا, وقيل: إذا غسل موضعا من الثوب - كالدخريص (الدِّخْرِيص معرّب, أَصله فارسي, وهو ما يُوصَل به البدَنُ ليَوَسِّعَه. لسان العرب لابن منظور 7/35.) - ونحوه - وأحد الكمين وبعضا من الكديس يحكم بطهارة الباقي, وهذا غير سديد ; لأن موضع النجاسة غير معلوم, وليس البعض أولى من البعض, ولو كان الثوب طاهرا فشك في نجاسته جاز له أن يصلي
فيه ; لأن الشك لا يرفع اليقين )) , وفى مجمع الأنهر لشيخ زاده (( لو تنجس طرف من الثوب فنسى المحل المصاب بالنجاسة وغسل طرفا بلا تحر حكم بطهارته ) )1/64, وفى فتح القدير لابن همام 1/192 عن الظهيرية (( الثوب تكون فيه النجاسة فلا يدرى مكانها, يغسل الثوب كله ) )وفى الأم للشافعي 1/72 (( كل ما أصاب الثوب من غائط رطب أو بول أو دم أو خمر فاستيقنه صاحبه فعليه غسله, وان أشكل عليه موضعه لم يجزه إلا غسل الثوب كله ) )وفي المجموع شرح المهذب للنووي 3/151 قال: (( وحكاه صاحب البيان وجها عن ابن سريج من الشَّافِعِية, وعلله بأنه يشك بعد ذلك في نجاسته والأصل طهارته, قال النووي: وهذا ليس بشيء ; لأنه تيقن النجاسة في هذا الثوب وشك في زوالها ) ). وقال ابن قدامه في المغني 1/412و413: (( وإذا خفي موضع النجاسة من الثوب استظهر, حتى يتيقن أن الغسل قد أتى على النجاسة وجملته أن النجاسة إذا خفيت في بدن أو ثوب, وأراد الصلاة فيه, لم يجز له ذلك حتى يتيقن زوالها, ولا يتيقن ذلك حتى يغسل كل محل يحتمل أن تكون النجاسة أصابته, فإذا لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله. وإن علمها في إحدى جهتيه غسل تلك الجهة كلها. وإن رآها في بدنه, أو ثوب - هو لابسه -, غسل كل ما يدركه بصره من ذلك. وبهذا قال النخعي والشَّافِعِي ومالك وابن المنذر وقال عطاء والحكم وحماد: إذا خفيت النجاسة في الثوب نضحه كله. وقال ابن شبرمة: يتحرى مكان النجاسة فيغسله. ولعلهم يحتجون بحديث سهل بن حنيف في المذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله فكيف بما أصاب ثوبي منه ؟ قال: { يجزئك أن تأخذ كفا من ماء, فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه. } ــ أخرجه أبو داود(210 ) في كتاب الطهارة باب في المذي, الترمذي ( 115) في كتاب الطهارة باب ماجاء في المذي يصيب الثوب, وابن ماجه ( 506 ) في كتاب الطهارة وسننها باب الوضوء من المذي, كلهم من حديث سهل بن حنيف بهذا اللفظ: عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْىِ شِدَّةً وَعَنَاءً فَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الْغُسْلَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ « إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ » . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِى مِنْهُ قَالَ « يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ » .ــ فأمره بالتحري والنضح. ولنا ـالحنابلة ـ, أنه متيقن للمانع من الصلاة. فلم تبح له الصلاة إلا بتيقن زواله كمن تيقن الحدث وشك في الطهارة, والنضح لا يزيل النجاسة, وحديث سهل في المذي دون غيره, فلا يعدى, لأن أحكام النجاسة تختلف. وقوله: حيث ترى أنه أصاب منه". محمول على من ظن أنه أصاب ناحية من ثوبه, من غير تيقن, فيجزئه نضح المكان أو غسله )). وما مضى من الحكم في خفاء النجاسة في الثوب أو البدن, أو المكان, هو مع العلم بوجود النجاسة وخفاء موضعها من الثوب, أو البدن, أو المكان, فإن شك في وجود النجاسة مع تيقن سبق الطهارة جازت الصلاة دون غسل؛ لأن الشك لا يرفع اليقين, وهذا عند الحنفية والشَّافِعِية والحنابلة. أما المالكية فيفرقون بين الشك في نجاسة البدن ونجاسة غيره من ثوب, أو حصير مثلا, فيوجبون غسل البدن ; لأنه لا يفسد بذلك ويوجبون نضح الثوب والحصير ; لأنه قد يفسد بذلك, وإن غسل فقد فعل الأحوط. وهذا في الجملة. ينظر هذه المسألة في: درر الحكام شرح غرر الأحكام لمنلا خسرو 1/49, فتح القدير لابن الهمام 1/190و191, تبين الحقائق شرح كنز الدقائق 1/70, بريقة محمودية للخادمي 4/219 و220, رد المحتار على الدر المختار 1/170, البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم 1/231, الفتاوى الهندية للبلخي1/42, أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي 4/170, التاج والإكليل لمختصر خليل 1/231, مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطابي 1/160, الأم للشافعي 1/71, المجموع شرح المهذب للنووي 3/151-153, المنثور في القواعد الفقهية للزركشي 2/289, أسنى المطالب شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري"
1/71, حاشيتا قليوبي وعميرة 1/205,المغني لابن قدامه 7/280, الفروع لابن المفلح 1/97.