وكانَ الأَصْمَعِيُّ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرِّيحيْنِ إذ اخْتَلَفَتَا على الرَّسْمِ لم تَعْفُوَاهُ، ولوْ دامَتْ عليهِ واحدةٌ لَعَفَتْهُ؛ لأنَّ الرِّيحَ الواحدةَ تَسْفِي على الرَّسْمِ فيَدْرُسُ، وإذا اعْتَوَرَتْهُ رِيحَانِ، فسَفَتْ عليهِ إحدَاهُما فغَطَّتْهُ، ثمَّ هَبَّت الأُخْرَى، كَشَفَتْ عن الرَّسْمِ ما سَفَت الأُولَى. وقيلَ: معناهُ: لم يَعْفُ رَسْمُها للريحِ وَحْدَها، إنَّما عَفَا للمطرِ والريحِ وغيرِ ذلكَ.
وقيلَ: معناهُ: لم يَعْفُ رَسْمُها منْ قَلْبِي، وهوَ في نَفْسِهِ دَارِسٌ، يقالُ: عَفَا الشيءُ يَعْفُو عَفْوًا وعُفُوًّا وعَفاءً، إذا دَرَسَ، وعَفَاهُ غَيْرُهُ: دَرَسَهُ.
وقولُهُ: (لِمَا نَسَجَتْهَا) : ما في معنَى تأنيثٍ، والتقديرُ: للرِّيحِ التي نَسَجَت المواضِعَ، والهاءُ في (نَسَجَتْهَا) تعودُ على: الدَّخُولِ وحَوْمَلٍ وتُوضِحَ والمِقْرَاةِ. و (نَسَجَتْ) صِلَةُ (مَا) ، وما فيهِ من الضميرِ يعودُ على (مَا) . ومثلُهُ:
أَلِفَ الصُّفُونَ فَلا يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاثِ كَسِيرَا
أيْ: كأنَّهُ مِن الخيلِ التي تقومُ على الثلاثِ، أوْ من الأجناسِ التي تقومُ على الثلاثِ. ويُرْوَى: (لِمَا نَسَجَتْهُ) ، والهاءُ تعودُ على الرَّسْمِ. وقالَ بعضُ أهلِ اللغةِ: يَجُوزُ أنْ يكونَ (مَا) في معنى المصدرِ، يَذْهَبُ إلى أنَّ التقديرَ: لِنَسْجِهَا الرِّيحُ؛ أيْ: لِلَّتِي نَسَجَتْها الرِّيحُ، ثُمَّ أَتَى بـ (مِن) مُفَسِّرَةً، فقالَ: (من جَنُوبٍ وشَمْأَلِ) . ففي (نَسَجَتْ) ذِكْرُ الريحِ؛ لأنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ المواضِعَ والنَّسْجَ والرَّسْمَ دَلَّتْ على الريحِ، فكنَّى عنها لدَلالةِ المعنَى عليها.
ولم يُجِزْ أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ يَحْيَى أنْ تكونَ (مَا) في معنى المصدرِ، قالَ: لأنَّ الفعلَ يَبْقَى بلا صاحبٍ. كأنَّ أبا العبَّاسِ لم يُجِزْ أنْ يكونَ في (نَسَجَتْ) ذِكْرُ الريحِ.
وفي الشَّمالِ لُغاتٌ: يُقالُ: شَمالٌ وشَمْأَلٌ وشَأْمَلٌ وشَمْلٌ وشَمَلٌ وشَمُولٌ. قالَ الشاعِرُ في الشَّأْمَلِ:
وهَبَّتِ الشَّأْمَلُ البَلِيلُ وإِذْ باتَ كَمِيعُ الفتاةِ مُلتَفِعَا