الصفحة 4 من 214

والبَصريُّونَ يُنْكِرُونَ هذا؛ لأنَّهُ إذا خاطَبَ الواحدَ مخاطبةَ الاثنيْنِ وَقَعَ الإشكالُ. وذَهَبَ المُبَرِّدُ في قَوْلِهِ تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} إلى أنَّهُ ثَنَّاهُ للتوكيدِ، معناهُ: أَلْقِ أَلْقِ. وخالَفَهُ الزَّجَّاجُ فقالَ: (أَلْقِيَا) مُخَاطَبَةُ المَلَكَيْنِ. وكذلكَ (قِفَا) إنَّما هوَ مُخَاطَبَةُ صاحِبَيْهِ.

والقولُ الثالثُ: أنَّهُ أرادَ: قِفَنْ، بالنونِ، فأَبْدَلَ الألفَ من النونِ، وأَجْرَى الوصلَ مُجْرَى الوقفِ، وأكثرُ ما يكونُ هذا في الوقفِ.

و (نَبْكِ) مجزومٌ؛ لأنَّهُ جوابُ الأمرِ. والجَيِّدُ أنْ يُقالَ: (نَبْكِ) جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، كأنَّ التقديرَ: قِفَا، إنْ تَقِفَا نَبْكِ؛ لأنَّ الأمرَ لا جوابَ لهُ في الحقيقةِ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ للرَّجُلِ: أَطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ، فإنَّما معناهُ: أَطِعِ اللَّهَ، إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجنةَ؛ لأنَّهُ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ بأَمْرِكَ، إنَّما يَدْخُلُها إذا أطاعَ اللَّهَ.

وَ (ذِكْرَى) والذِّكْرُ واحدٌ. وقولُهُ: مِنْ ذِكْرَى: مِنْ تَتَعَلَّقُ بـ (نَبْكِ) ، و (ذِكْرَى) جُرَّ بـ (مِنْ) ، وهيَ مضافةٌ إلى (الحَبِيبِ) ، و (المَنْزِلُ) نَسَقٌ على (الحبيبِ) ، والباءُ مِنْ قولِهِ: (بسِقْطِ اللِّوَى) يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بـ (قِفَا) وبـ (نَبْكِ) ، وبقولِهِ: (مَنْزِلِ) .

وقولُهُ: (بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ) : دَخُولٌ: مَوْضِعٌ، وحَوْمَلٌ: موضِعٌ آخرُ، وكانَ الأَصْمَعِيُّ يَرْوِيهِ: (بينَ الدَّخُولِ وحَوْمَلِ) ويقولُ: لا يُقالُ: المالُ بينَ زيدٍ فَعَمْرٍو، وإنَّما يُقالُ: بينَ زيدٍ وعمرٍو.

ومَنْ رَوَاهُ (فَحَوْمَلِ) بالفاءِ، يقولُ: إنَّ الدَّخُولَ مَوْضِعٌ يَشْتَمِلُ على مواضِعَ، وكذلكَ حَوْمَلٌ. فَلَوْ قُلْتَ: عبدُ اللَّهِ بينَ الدَّخُولِ، تريدُ بينَ مواضِعِ الدَّخُولِ، لَتَمَّ الكلامُ، كما تقولُ: دُورُنَا بينَ مِصْرَ، تُريدُ: بينَ أهلِ مِصْرَ. فَعَلَى هذا عَطَفَ بالفاءِ وأرادَ: بينَ مواضعِ الدَّخُولِ، وبينَ مواضِعِ حَوْمَلٍ.

2 -فتُوضِحَ فالمِقْرَاةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْأَلِ

(تُوضِحُ والمِقْرَاةُ) مَوضعانِ. وهذهِ المواضِعُ التي ذَكَرَها ما بينَ إِمَّرةَ إلى أسودِ العينِ، وأسودُ العينِ: جبلٌ، وهيَ منازِلُ كِلابٍ. وموضِعُ (تُوضِحَ والمِقراةِ) جَرٌّ، عَطْفٌ على (حَوْمَلِ) . والمِقراةُ في غيرِ هذا الموضِعِ: الغَدِيرُ الذي يَجْتَمِعُ فيهِ الماءُ، منْ قولِهِم: قَرَيْتُ الماءَ في الحوضِ، إذا جَمَعْتَهُ.

ومعنى قولِهِ: (لم يَعْفُ رَسْمُهَا) قالَ الأَصْمَعِيُّ: أيْ لم يَدْرُسْ لِمَا نَسَجَتْهُ من الجنوبِ والشمألِ، فهوَ باقٍ ونحنُ نَحزَنُ، ولوْ عَفَا لاسْتَرَحْنَا، وهذا كقولِ ابنِ أَحْمَرَ:

ألا لَيْتَ المَنَازِلَ قدْ بَلِينَا فلا يَرمينَ عنْ شُزُنٍ حَزِينَا

أيْ: فلا يَرْمِينَ عنْ تَحَرُّفٍ وتشدُّدٍ، يُقَالُ: شَزَنَ فلانٌ ثمَّ رَمَى؛ أيْ: تَحَرَّفَ في أحدِ شِقَّيْهِ، وذلكَ أشدُّ لِرَمْيِهِ، ويقالُ: شُزُنٌ وشَزَنٌ بمعنًى واحدٍ. ومعنى البيتِ: لَيْتَهَا بَلِيَتْ حتَّى لا تَرْمِيَ قُلُوبَنا بالأحزانِ والأوجاعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت