9 -فَفَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي
(فَاضَتْ) : سَالَتْ. و (الصَّبَابَةُ) : رِقَّةُ الشوْقِ، يُقالُ: صَبَبْتُ أَصُبُّ، قالَ الشاعِرُ:
يَصُبُّ إلى الحياةِ ويَشْتَهِيهَا ... وفي طُولِ الحياةِ لهُ عَنَاءُ
و (المِحْمَلُ) : السَّيْرُ الذي يُحْمَلُ بهِ السيفُ، والجمعُ: حَمَائِلُ، على غيرِ القياسِ، وليسَ لها مِنْ لَفْظِها واحدٌ، ولوْ كانَ لها واحدٌ مِنْ لفظِها لكانَ (حَمِيلَةً) ، ولكنَّها لم تُسْمَعْ، قالَ الشاعِرُ في المِحْمَلِ:
* فَارْفَضَّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ المِحْمَلِ *
ونصَبَ (صَبَابَةً) ؛ لأنَّهُ مصدَرٌ وُضِعَ موضِعَ الحالِ، كقولِكَ: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا؛ أيْ: مَاشِيًا. ومثلُهُ قولُهُ تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} ؛ أيْ: غَائِرًا. ويَجُوزُ أنْ يكونَ نَصَبَ (صَبابةً) على أنَّهُ مفعولٌ لهُ.
وممَّا يُسْأَلُ عنهُ في هذا البيتِ أنْ يُقالَ: كيفَ يَبُلُّ الدَّمْعُ مِحْمَلَهُ، وإنَّما المِحْمَلُ على عَاتِقِهِ؟ فيُقالُ: قدْ يكونُ منهُ على صدرِهِ، فإذا بَكَى وجَرَى عليهِ الدَّمْعُ ابْتَلَّ.
10 -أَلا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ ولا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ
(ألا) افتتاحٌ للكلامِ. و (رُبَّ) فيها لُغاتٌ، أَفْصَحُهُنَّ ضَمُّ الراءِ وتشديدُ الباءِ. ومن العربِ مَنْ يَضُمُّ الراءَ ويُخَفِّفُ الباءَ، فيقولُ: رُبَ رَجُلٍ قائمٍ. ويُرْوَى عنْ عاصمٍ أنَّهُ قالَ: قَرَأْتُ على زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ: (رُبَّمَا) بالتشديدِ، فقالَ: إِنَّكَ لَتُحِبُّ الرُّبَّ، (رُبَمَا) ، فخَفَّفَهُ.
ومن العربِ مَنْ يَفْتَحُ الراءَ ويُشَدِّدُ الباءَ، فيقولُ: رَبَّ رجُلٍ قائمٍ. وزَعَمَ الكِسَائِيُّ أنَّهُ سَمِعَ التخفيفَ في المفتوحةِ. ومن العربِ مَنْ يُدْخِلُ معَها تاءَ التأنيثِ ويُشَدِّدُ الباءَ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُها معَ تاءِ التأنيثِ، فتقولُ: رُبَتَ رجلٍ قائمٍ. والمعنى: ألا رُبَّ يومٍ كانَ فيه لكَ منهم سُرورٌ وغِبْطَةٌ.
و (السِّيُّ) : المِثْلُ. (دَارَةُ جُلْجُلٍ) : مَوْضِعٌ، ويُرْوَى: (ولا سِيَّمَا يَوْمٍ) وَ (يَوْمٌ) بالجرِّ والرفعِ، فمَنْ جَرَّهُ جَعَلَ (مَا) زائدةً للتوكيدِ، وهوَ الجَيِّدُ، ومَنْ رَفَعَهُ جَعَلَ (مَا) بمعنى الذي وأَضْمَرَ مُبْتَدَأً، والمعنى: ولا سِيَّما هوَ يَوْمٌ، وهذا قَبِيحٌ جِدًّا؛ لأنَّهُ حَذَفَ اسمًا مُنْفَصِلًا من الصلةِ، وليسَ هذا بمنزلةِ قَوْلِكَ: الذي أَكَلْتُ خُبْزٌ؛ لأنَّ الهاءَ مُتَّصِلَةٌ، فحَسُنَ حَذْفُها، ألا تَرَى أنَّكَ لوْ قُلْتَ: الذي مَرَرْتُ زيدٌ، وتُرِيدُ: الذي مرَرْتُ بهِ زيدٌ، لم يَجُزْ.
فأمَّا نَصْبُ (سِيَّ) فَبِـ (لا) ، ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ مَبْنِيًّا معَ (لا) ؛ لأنَّ (لا) لا يُبْنَى معَ المضافِ؛ لأنَّ ما يُبْنَى مُشَبَّهٌ بالحروفِ، ولا تَقَعُ الإضافةُ في الحروفِ، فإذا أَضَفْتَ المَبْنِيَّ زالَ البناءُ.
ولا يَجُوزُ أنْ تقولَ: جَاءَنِي القومُ سِيَّما زيدٌ، حتَّى تَأْتِيَ بـ (لا) . وحَكَى الأَخْفَشُ أنَّهُ يُقَالُ: لا سِيَمَا مُخَفَّفًا.