ومعنى قولِهِ: (ولا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ) التَّعَجُّبُ منْ فضلِ هذا اليومِ؛ أيْ: هوَ يومٌ يَفْضُلُ سائرَ الأيَّامِ. وقالَ هِشامُ بنُ الكَلْبِيِّ: (دَارَةُ جُلْجُلٍ) عندَ غَمْرِ ذِي كِنْدَةَ. وقالَ الأَصْمَعِيُّ وأبو عُبَيْدَةَ: دَارَةُ جُلْجُلٍ في الحِمَى. ويقالُ: دَارٌ ودارةٌ، وغَديرٌ وغَدِيرةٌ، وإزارٌ وإِزَارَةٌ.
ويُرْوَى: (أَلا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمُ) ، فإنْ قِيلَ: كيفَ جازَ أنْ يُقالَ: (مِنْهُم) وهُنَّ نِساءٌ؟
فالجوابُ: أنْ يُقالَ: كأنَّهُ عَنَاهُنَّ وعَنَى أَهْلَهُنَّ، فغَلَبَ المُذَكَّرُ على المؤنَّثِ.
ويُرْوَى: (صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمَا) . وأَجْوَدُ الرواياتِ: (ألا رُبَّ يومٍ لكَ مِنْهُنَّ صالِحٍ) على ما فيهِ مِن الكَفِّ، وهوَ حَذْفُ النُّونِ منْ مَفَاعِيلُنْ.
11 -وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي فَيَا عَجَبًا مِنْ رَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ
(الْعَذَارَى) جَمْعُ عَذْرَاءَ، يُقالُ: عَذْرَاءُ وعَذَارٌ وعَذَارَى. فـ (عَذَارٍ) مُنَوَّنٌ في موضعِ الرفعِ والجرِّ، وغيرُ منوَّنٍ في موضِعِ النصبِ، وإذا قُلْتَ: عَذَارَى فالألِفُ بَدَلٌ من الياءِ؛ لأنَّها أخَفُّ منها.
فإنْ قالَ قائلٌ: فلمَ لا أُبْدِلَت الياءُ في (قَاضٍ) ألفًا؟ فزَعَمَ الخَليلُ أنَّ (عَذَارَى) إنَّما أُبْدِلَتْ من الياءِ فيهِ الألِفُ؛ لأنَّهُ لا يُشْكِلُ؛ إذْ كانَ ليسَ في الكلامِ (فَعَالَلُ) ، ولم تُبْدَلِ الياءُ في (قَاضٍ) فيُقَالُ: (قَاضًى) ؛ لأنَّهُ في الكلامِ (فَاعَلٌ) ؛ نَحْوُ: طَابَقٍ وخَاتَمٍ.
فإنْ قالَ قائلٌ: فلِمَ لا تُنَوَّنُ (عَذَارَى) في موضعِ الرفعِ والجرِّ كما تَفْعَلُ في (عَذَارٍ) ؟ فالجوابُ في هذا: أنَّ سِيبَوَيْهِ زَعَمَ أنَّ التنوينَ في (عَذَارٍ) وما أَشْبَهَهَا عِوَضٌ من الياءِ، فإذا جِئْتَ بالألفِ عِوَضًا من الياءِ لم يَجُزْ أنْ تُعَوِّضَ من الياءِ شيئًا آخرَ.
وزَعَمَ أبو العبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ، أنَّ التنوينَ في (عَذَارٍ) وما أَشْبَهَهَا عِوَضٌ من الحركةِ، فإذا كانَ عِوَضًا من الحركةِ، والألفُ لا يَجُوزُ أنْ تُحَرَّكَ، فكيفَ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ التنوينُ عِوَضًا من الحركةِ فيما لا يُحَرَّكُ.
وقولُهُ: (فَيَا عَجَبًا) الألِفُ بَدَلٌ مِن الياءِ، كما تَقُولُ: يا غُلامَا أَقْبِلْ. تُرِيدُ: يا غُلامِي. ويُقالُ: كيفَ يَجُوزُ أنْ يُنَادَى العَجَبُ، وهوَ مِمَّا لا يُجِيبُ ولا يَفْهَمُ؟ فالجوابُ في هذا أنَّ العربَ إذا أرَادَتْ أنْ تُعَظِّمَ أَمْرَ الخبرِ جَعَلَتْهُ نِداءً. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ: يا عَجَبًا فَكَأَنَّكَ قُلْتَ: تَعَالَ يا عَجَبُ؛ فإنَّ هذا منْ إِبَّانِكَ، فهذا أَبْلَغُ مِنْ قولِكَ: تَعَجَّبْتُ.
ونظيرُ هذا قَوْلُهم: لا أَرَيَنَّكَ ههنا؛ لأنَّهُ قدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْهَى نفسَهُ، والتقديرُ: لا تَكُنْ ههنا؛ فإنَّهُ مَنْ يَكُنْ ههنا أَرَهُ.
وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ، فقدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْهَاهُمْ عن الموتِ، والتقديرُ واللَّهُ أَعْلَمُ: اثْبُتُوا على الإسْلامِ حتَّى يَأْتِيَكُمُ الموتُ. وكذلكَ قولُهُ: (يَا عَجَبًا) قدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يُنَادِي العَجَبَ، فالمعنى: انْتَبِهُوا للعَجَبِ.