(5) وهذا هو البَصِيرَةُ وهذا هو الحقُّ، وهذا هو مُقْتَضى العقلِ السليمِ، الجهلُ بما لم يُخْبِرْ به عِلْمٌ، والعجزُ عن إدراكِ ذلك هو الحقيقةُ التي يَجِبُ أنْ يُقِرَّ بها العبدُ، وأنَّه عاجزٌ لا يَعْلَمُ عن ربِّه إلا ما جاءَتْ به النصوصُ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يقولَ عن ربِّه سِوَى ما جاءَتْ به النصوصُ، فالجهلُ بما لم يُخْبِرْ به عن نفسِه هو العلمُ في الحقيقةِ.
يقولُ العبدُ: لا أعلمُ، اللَّهُ أعلمُ، لا أَدْرِي عن هذا، إنَّما نَعْلَمُ ما جاءَتْ به النصوصُ، وما دَلَّتْ عليه النصوصُ، فنَصِفُ اللَّهَ بما أخْبَرَ به عن نفسِه فيها، ونَسْكُتُ عمَّا سِوَى ذلك.
وهذا هو العلمُ، وهذا هو مُقْتَضى الإيمانِ، العَجْزُ عن إدراكِ ما لم يُخْبِرْ به هو الإيمانُ الصحيحُ، أما التكلُّفُ ودَعْوَى أشياءَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بها مِن سُلطانٍ، فهذا هو الجهلُ.
(6) قدْ أَحْسَنَ أبو سُلَيْمَانَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عليه، كلامٌ عظيمٌ , وهذا قولُ أهلِ السنَّةِ، فقَوْمٌ أَفْرَطُوا في التنزيهِ حتى عَطَّلُوا كالجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، وبعضُ المتأخِّرِينَ مِن أتباعِهم، كالأَشَاعِرَةِ في بعضِ الصفاتِ، وقومٌ أَفْرَطُوا في الإثباتِ فمَثَّلُوا وشَبَّهُوا. والحقُّ ما قاله أهلُ السنَّةِ، وهو الوَسَطُ، وهو الإثباتُ بلا تمثيلٍ، والتنزيهُ بلا تَعْطِيلٍ، إثباتٌ بَرِيءٌ مِن التمثيلِ، وتَنْزِيهٌ بَرِيءٌ مِن التعْطِيلِ، وذلك إمرارُها كما جاءَتْ، وإثباتُها والإيمانُ بها وأنَّها حقٌّ، وأنَّ اللَّهَ لا شَبِيهَ له فيها، سبحانه وتعالى.
سؤالٌ: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ؟
الجوابُ: هذا واضحٌ، يعني: بمَرْأَى مِن اللَّهِ ومَسْمَعٍ مِنه سبحانه وتعالى، اللَّهُ سبحانه وتعالى هو الذي يُسَدِّدُهُ ويُسَهِّلُ أمرَه، وفيه إثباتُ العينِ؛ لئلا يُقالَ: هذا لمَن لا عينَ له ولا سمعَ ولا بَصَرَ. السفينةُ تجري بعينِه: يعني برعايتِه سبحانه وتعالى، وفيه إثباتُ العينِ. {ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} لأنَّه رُبِّيَ على عينِه سبحانه وتعالى، يعني: بتوفيقِ اللَّهِ لمَن رَبَّاهُ حتى صارَ في أحسنِ حالةٍ. ومعَ ذلكَ فيه إثباتُ العينِ للهِ عزَّ وجلَّ، وجاءَتْ به النصوصُ في قِصَّةِ الدجَّالِ: (( إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ) ). ففيه إثباتُ العينِ وإثباتُ الرعايةِ مِن اللَّهِ للسفينةِ ولموسى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
سؤالٌ: إثباتُ صفةِ الاستهزاءِ في قولِه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ؟
الجوابُ: يَسْتَهْزِئُ بهم ويَمْكُرُ بهم كما فعلوا، مكرٌ بحقٍّ واسْتِهْزَاءٌ بحقٍّ، يُوصَفُ به سبحانه وتعالى، المذمومُ الاستهزاءُ بالباطلِ والمكرُ بالباطلِ، أما اسْتِهْزَاؤُه بهم فهو في مُقابِلِ استهزائِهِم، لمَّا اسْتَهْزَؤُوا اسْتُهْزِئَ بهم ومُكِرَ بهم، وكِيدُوا وخُدِعُوا، وهو بحقٍّ، يُوصَفُ به؛ لأنَّه وَصْفُ حقٍّ للهِ سبحانه وتعالى، على الوجهِ اللائقِ باللَّهِ جلَّ وعلا.
سؤالٌ: صفةُ الكلامِ للهِ ذاتيَّةٌ فعليَّةٌ؟
الجوابُ: يجوزُ أنْ يُقالَ: ذاتِيٌّ؛ لأنَّه مِن صفاتِ الذاتِ يَتَكَلَّمُ بذاتِه سبحانه وتعالى، ويُقالُ: فعليٌّ؛ لأنه بالاخْتِيَارِ، يَقَعُ عن المشيئةِ.
سؤالٌ آخَرُ عن قولِه تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ؟
الجوابُ: يعني ذاتَه سبحانه وتعالى بوجهِه الكريمِ، عُبِّرَ بالوجهِ؛ لأنَّه هو الأشرفُ، والمقصودُ أنَّه يَبْقَى بوجهِه الكريمِ، صِفَةُ الوجهِ معَ بقائِه سبحانه وتعالى، عُبِّرَ بالوجهِ؛ لأنَّه مِن الصفاتِ العظيمةِ، ولهذا قالَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} ، يعني: بوجهِه وذاتِه جميعًا، ليسَ الوجهُ وحدَه، عُبِّرَ بالوجهِ عن الذاتِ كلِّها؛ لأنَّه موصوفٌ بوجهِه سبحانه وتعالى. وهذا من طريقةِ العربِ، يَبْقَى وَجْهُ فلانٍ، يعني: كلُّ فلانٍ، لا يُرِيدُونَ أنَّ وَجْهَه الباقي وسائِرَ جسدِه معدومٌ.