الدرسُ الثانيَ عَشَرَ
(1) صَدَقَ مَعْمَرٌ في هذا، هذا قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، أنَّه سبحانه استوَى على عرشِه اسْتِوَاءً يَلِيقُ بجلالِه، وهكذا بقيَّةُ صفاتِه: يَرْضَى ويَغْضَبُ، ويَتَكَلَّمُ بما يَشَاءُ، ويَرْحَمُ عِبَادَه ويَضْحَكُ إليهم، كلُّ هذا واقعٌ، لكن على الوجهِ اللائقِ به مِن غيرِ كيفٍ ولا مُشَابَهَةٍ للخَلْقِ، سبحانه وتعالى.
وهكذا النُّزُولُ، وهكذا جميعُ الصفاتِ، كلُّها بابُها واحدٌ لأهلِ الحقِّ، يَجِبُ إثباتُها للهِ , وإمرارُها كما جاءَتْ، والإيمانُ بها وأنَّها حقٌّ، وأنَّها صفاتٌ ثابتةٌ للهِ على الوجهِ اللائقِ به سبحانه، كما أنَّ ذاتَه حقٌّ , ولا تُشْبِهُ ذواتِ المخلوقينَ، فهكذا صفاتُه حقٌّ ولا تُشْبِهُ صفاتِ المخلوقينَ. ومَن زَعَمَ خِلافَ ذلك فقدْ ضَلَّ وابْتَدَعَ وصارَ كلامُه في ذلك يَؤُولُ إلى الإلحادِ وإنكارِ وجودِ الذاتِ بالكلِّيَّةِ ـ نَسْأَلُ اللَّهَ العافِيَةَ ـ مَن أَنْكَرَ الصفاتِ فقدْ عَطَّلَ اللَّهَ جلَّ وعلا وأَنْكَرَ وُجُودَه، هذا مآلُ قولِهم. نَسْأَلُ اللَّهَ العافِيَةَ.
(2) سبحانه وبحَمْدِه، هذا حقٌّ {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ، {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} سبحانه، ومِن ذلكَ الاستواءُ والنُّزُولُ والضَّحِكُ والرضا والغَضَبُ، وغيرُ ذلك.
(3) المقصودُ أنَّ هذا الذي قالَه - رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الحقُّ؛ فإنَّ الناسَ في هذا البابِ ثلاثةُ أقسامٍ:
غُلاةٌ: وهمُ المُشَبِّهَةُ.
ونُفَاةٌ مُعَطِّلُونَ: وهم الجَهْمِيَّةُ وأشباهُهم.
وأهلُ السنَّةِ: وهم الوَسَطُ في هذا البابِ، فلا معَ المُعَطِّلِينَ النافينَ للصفاتِ، ولا معَ المُشَبِّهِينَ والمُمَثِّلِينَ الذين غَلَوْا في إثباتِ الصفاتِ، ولكنَّهم حَقٌّ بينَ الباطليْنِ، ووَسَطٌ بينَ الطرفيْنِ، فأَثْبَتُوا صفاتِ اللَّهِ وأَثْبَتُوا أسماءَه على الوجهِ اللائِقِ به سبحانه وتعالى، مِن غيرِ تعطيلٍ ومِن غيرِ تشبيهٍ، فلا معَ هؤلاءِ ولا معَ هؤلاءِ، أَثْبَتُوا صفاتِ اللَّهِ وأسماءَه على الوجهِ اللائقِ به سبحانه وتعالى، ولم يُمَثِّلوا صفاتِه بصفاتِ خلقِه، ولم يعطِّلوا صِفَاتِه جلَّ وعلا، بل هو المالكُ لكلِّ شيءٍ، والقادرُ على كلِّ شيءٍ، وهو اسْتَوَى على عرشِه جلَّ وعلا، وهو قادرٌ على ذلكَ قبلَ وجودِ هذا الاستواءِ وقبلَ وجودِ العرشِ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ سبحانه وتعالى، كما أنَّه قادرٌ على المجيءِ والإتيانِ، وإنْ كانَ لا يَفْعَلُه إلا يومَ القيامةِ حيثُ يَقْضِي بينَ عِبَادِه، فهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ سبحانه وتعالى، وهو الذي يَفْعَلُ ما يَشاءُ على الوجهِ اللائقِ به سبحانه وتعالى.
هذا هو الواجبُ على أهلِ العلمِ والإيمانِ، أن يَصِفُوا اللَّهَ بما وَصَفَ به نفسَه، وأَنْ يُنَزِّهُوهُ عمَّا نَزَّهَ عنه نفسَه، وأنْ يُؤْمِنُوا بأنَّه جلَّ وعلا له الكمالُ المطلقُ، في كلِّ شيءٍ؛ في ذاتِه، وأسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه، لا شبيهَ له , ولا كُفْءَ له , ولا نِدَّ له، ولا يُقاسُ بخلقِه سبحانه وتعالى.
سؤالٌ: هلِ (الشَّائِي) مِن أسماءِ اللَّهِ تعالى؟
الجوابُ: أَخْذُها مِن (شَاءَ) إثباتٌ لوجودِ المشيئةِ، ليسَ مِن أسمائِه، مِن بابِ إثباتِ المشيئةِ والإرادةِ.
سؤالٌ: ذُكِرَ أنَّ الشيطانَ يُوقِعُهُم في القُنُوطِ، ثم في الغُرُورِ وطُولِ الأَمَدِ، فهل الغرورُ بعدَ القُنُوطِ؟
الجوابُ: الشيطانُ قد يَعْمَلُ هذا وهذا، قد يُزَيِّنُ للعِبَادِ القُنُوطَ، فيَقْنَطُونَ، ويُعَظِّمُ عليهم أمرَ النارِ وأمرَ غَضَبِ اللَّهِ، فيَقْنَطُونَ بسببِ بعضِ المعاصي التي قد فَعَلُوها، وقدْ يَبْتَلِي بعضَ الناسَ ويُزَيِّنُ لبعضِ الناسِ الغرورَ، وأنَّهم بَلَغُوا مَنْزِلَةً ما بَلَغَها أحدٌ في عِباداتِهم، حتى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم فاقوا النَّاسَ وأنَّهم فوقَ النَّاسِ، وأنَّهم تَعَبَّدُوا أكثرَ مما تَعَبَّدَهُ الأنبياءُ، فيَقَعُوا في الغرورِ ـ نعوذُ باللَّهِ ـ والتكبُّرِ والمَنِّ على اللَّهِ بما فعلوا، فيَهْلِكُونَ. نسألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
سؤالٌ: قالَ: الناظِرُ بعينِه إلى أجْسَامِهِم. هل يُقَالُ: الناظرُ بعَيْنَيْه إلى أجسامِهِم؟