الدَّرْسُ الحَادِيَ عَشَرَ
هذا الحديثُ (( فِي عَمَاءٍ ) )روَاه الإمامُ أحمدُ وجماعةٌ، وهو مِن طريقِ وَكِيعِ بنِ حُدُسٍ، ويُقَالُ: ابنِ عُدُسٍ، وهو ليسَ بذاكَ المشهورِ. وذَكَرَ بعضُهم - كالحافظِ - أنَّه مقبولٌ، فليسَ بذاكَ المشهورِ مِن جِهَةِ السَّنَدِ، لكن لو صَحَّ فهذه أمورٌ تَوْقِيفِيَّةٌ، فإنْ لم يَصِحَّ فالقولُ فيه كالقولِ في غيرِه، اللَّهُ أعلَمُ سبحانه وتعالى. أخْبَرَنَا أنَّه فوقَ العرشِ، وأنَّه اسْتَوَى على العرشِ بعدَما خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، وأمَّا ما قبلَ ذلك فإنْ صحَّ حديثُ أبي رَزِينٍ، فالأمرُ فيه واضحٌ، وإلاَّ فالجوابُ فيه: اللَّهُ أعلمُ.
وحديثُ وَكِيعِ بنُ حُدُسٍ ليسَ مِن الأحاديثِ القويةِ التي يَحْسُنُ الاعتمادُ عليها في الأصولِ، ولكن يُمْكِنُ أنْ يكونَ له طُرُقٌ أخرَى , وشَوَاهِدُ أخرَى تُعَضِّدُهُ وتُقَوِّيهِ. يَنْبَغِي التأمُّلُ فيه , ومُرَاجَعَةُ رِوايةِ أبي رَزِينٍ في المُسْنَدِ وفي مُسْنَدِ أبي داودَ الطَّيَالِسِيِّ، وغيرِهما.
(1) وهذا مثلُ ما جاءَ مِن حديثِ أبي موسى في الصحيحِ: (( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ) )سبحانه وتعالى، ومثلُ ما جاءَ في حديثِ أبي ذَرٍّ عندَ مسلمٍ: قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ رَبَّكَ؟ قال: (( رَأَيْتُ نُورًا ) ). وفي لفظٍ: (( نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ) ).
فاللَّهُ جلَّ وعلا له مِن الحُجُبِ العظيمةِ والأهوالِ العظيمةِ ما لا يُحْصِيهِ إلاَّ اللَّهُ، ولا يَعْلَمُهُ إلاَّ هو سبحانه وتعالى، لكن يومَ القيامةِ يَكْشِفُ الحِجَابَ جلَّ وعلا عن وَجْهِهِ الكريمِ فيَرَاه المؤمنونَ في عَرَصَاتِ القيامةِ , وفي الجنَّةِ، وهو أعلى نَعِيمِهم.
(2) (لاَ يَحُدُّوا فِيهِ حَدًّا) يعني: على ما جاءَ في النصوصِ: يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغِيثُنِي فَأُغِيثَهُ, حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ) ). وفي اللفظِ الآخَرِ: (( هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُتَابَ عَلَيْهِ ) )فأهلُ السنَّةِ يُمِرُّونه كما جاءَ مِن غيرِ تغييرٍ ولا تفسيرٍ ولا حَدٍّ، أمَّا مَن قالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا، أي: يَنْزِلُ ثَوَابُه أو أمْرُه أو مَلَكٌ مِن الملائكةِ. هذا تأويلٌ باطلٌ، هذا إلحادٌ في الحديثِ.
(3) يعني: ما أقولُ يَنْزِلُ كذا ولاَ كذا، ما أُكَيِّفُ، يَنْزِلُ كما يَشَاءُ سبحانه وتعالى، لا يَعْلَمُ كيفَ يَنْزِلُ إلاَّ هو، كما أنَّه اسْتَوَى على العرشِ كما يَشَاءُ، لا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ استوائِه إلاَّ هو سبحانه وتعالى، وهكذا بَقِيَّةُ الصفاتِ، لا يَعْلَمُ كيفَ يَرَى ولا كيفَ يَغْضَبُ ولا كيفَ يَجِيءُ يومَ القيامةِ، ولا كيفَ يَضْحَكُ، إلا هو سبحانه وتعالى.
فالكيفيَّةُ إليه سبحانه وتعالى، هو أعلمُ بها جلَّ وعلا، إنَّما علينا الإيمانُ بما أَخْبَرَنا به مِن ضَحِكٍ ورِضًا وغَضَبٍ ورحمةٍ وعِلْمٍ وسمعٍ وبصرٍ ونزولٍ واستواءٍ، نُؤْمِنُ بها كما جاءَتْ، على الوجهِ الذي يَلِيقُ باللَّهِ سبحانه وتعالى، لا يَعْلَمُ كيفَ صِفاتُه إلا هو سبحانه وتعالى.
(4) وهذا وَصْفُه جلَّ وعلا عندَ جميعِ أهلِ السنَّةِ: العُلُوُّ، وهو صفةُ ذاتٍ، أَجْمَعَ عليها العلماءُ ودَلَّتْ عليها الفِطْرَةُ، فقد فَطَرَ اللَّهُ العِبادَ على الإيمانِ بعلوِّ اللَّهِ سبحانه وتعالى، وأنَّه فوقَ الجميعِ جلَّ وعلا، حتى البهائِمُ فَطَرَها على رَفْعِ رَأْسِها إلى السماءِ عندَما يَحْزُبُها شيءٌ.
والمقصودُ أنَّ الفِطْرَةَ دَلَّتْ على عُلُوِّهِ، وجاءَتِ النصوصُ بذلك، جاءَ الكتابُ العظيمُ والسنَّةُ المُطَهَّرَةُ، وجاءَ الأنبياءُ جميعًا بالإيمانِ بعلوِّ اللَّهِ سبحانه وتعالى، وأمَّا الاستواءُ فهو ثابتٌ بالنصِّ، اسْتِوَاؤُه على العرشِ جاءَتْ به النصوصُ النقليَّةُ السمعيَّةُ، فالاستواءُ والعلوُّ كلاهما صفتانِ عظيمتانِ ثابتتانِ للهِ سبحانه وتعالى، أمَّا العلوُّ فبالفِطْرَةِ، والعقلِ وبالنصِّ جميعًا، وأمَّا الاسْتِوَاءُ فبالسمعِ كما جاءَتْ به النصوصُ في الكتابِ والسنَّةِ.