الصفحة 65 من 83

إن إحياء حكم الردة لمن يستحقه أمر عظيم، ويدل على أن من أحيا تطبيقه سوف يضحي من أجل ذلك تضحيات عظيمة في سبيل الله، بخلاف من يرى المرتدين ويعتقد ردتهم، وهو يكتم ذلك محتجًا بعدم القدرة على قتالهم، فلم يفرق بين القدرة على البيان والقدرة على التنفيذ، ومن تأمل هدي محمد عليه الصلاة والسلام وملة إبراهيم يظهر له ذلك جليًا.

إن تسلط المرتدين على مقاليد الحكم لفترة طويلة، سببه عدم إنفاذ حكم الردة عليهم، فكم هي من سنوات طويلة وهم يسبغون عليهم شرعية الحكم، ويحرم الخروج عليهم؟ ولا يعني ذلك الموافقة على جميع التنزيلات لأنها مسألة اجتهادية، فإذا قال المجاهدون: بأن حكام العرب مرتدون، ومن ناصر وظاهر أمريكا وإسرائيل على المسلمين بأنه مرتد، فقد وفقوا للصواب، وإحياء حكم الردة فيه ردع للمتطاولين على الإسلام، وحفظ لبنيانه من الانهدام، مع الحذر الشديد من تكفير المسلم بغير حق، إما لهوى أو نحوه.

أما مسألة الاجتهاد في التكفير فالمجتهد بين الأجر والأجرين، قال ابن القيم: [وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولًا وغضبًا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه] زاد المعاد (3/ 371) .

وبعض الناس يقول: هؤلاء الحكام واقعون في الكفر، ولكن لا نكفرهم لعذر الجهل!! فتستغرب من منعهم إنزال التكفير بحجة مانع الجهل مع أن الواقع أنهم ليسوا جهالًا، والقاعدة في حرب معهم، وبلغهم هدفنا وقامت عليهم الحجة ومع ذلك يقولون لم تقم عليهم الحجة، مع العلم أنهم واقعون في المسائل الظاهرة التي لا يعذر الشخص فيها بجهله.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب معلقًا على كلام شيخ الإسلام: [فانظر إلى تفريقه"يعني ابن تيمية"بين المقالات الخفية والأمور الظاهرة، فقال في المقالات الخفية التي هي كفر: قد يقال: أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة، فالأمر ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة والخفية] انظر (ضوابط تكفير المعين) عند شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب (ص79) .

ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- معلقًا على كلام ابن تيمية في"الصارم المسلول"تعليقًا على آية المستهزئين: [وفي الآية دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أنه كفر لا يعذر بذلك، بل يكفر، وعلى أن الساب كافر بطريق الأولى نبه عليه شيخ الإسلام] (تيسير العزيز الحميد) . ط مكتبة الرياض ص555.

تكفير الطواغيت من ملة إبراهيم كما قد مر، وليس كما قال لي بعض الدعاة: ما كلفك الله، هل كفر الحاكم الفلاني أم لا؟ فانظر إلى هذا العجب، وقارن كلامه مع كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: [فالله الله إخواني، تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره، أسه ورأسه، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله; واعرفوا معناها; وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وأبغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال: ما علي منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى; بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا: إخوانه، وأولاده، فالله الله، تمسكوا بأصل دينكم، لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئا، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين] الدرر السنية في الأجوبة النجدية (2/ 119 - 120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت