الصفحة 33 من 83

القاعدة تسير على طريقة المحققين من أهل العلم، وطريقتهم التبرؤ من الكفر والكافر باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع إذا كان المقام يقتضيها، وليس من طريقة المحققين التبرؤ من الكفر وعدم البراءة من الكافر.

ويا من تشنعون على القاعدة في التنزيل: أما قد مر بكم في التاريخ أن العلماء قد أنزلوا أحكام الكفر على من يرونه يستحق ذلك، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: [ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال عمن قصد إتباع الحق، إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة وإدخالهم في أهل الردة وسبي ذراريهم، وفعلهم فيهم ما صح عنهم، وهو أول قتال وقع في الإسلام على من ادعى أنه من المسلمين، فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام على هذا النوع أعني المدعين للإسلام، وهي أوضح الواقعات التي وقعت من العلماء عليهم من عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى وقتنا هذا، وقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر إقتداء لمن عبد اللات والعزى] .ا. هـ مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد26، والمراد منه قوله: [وهم عندي كفار بهذه الأوضاع] .

وقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) 1/ 197 في إنكار تعظيم القبور: [وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه (مناسك المشاهد) ، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام] .ا. هـ، وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له ابن المفيد، فقد رأيت ما قال فيه بعينه، فكيف ينكر تكفير المعين؟ وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير، فنذكر منه قليلًا من كثير.

[أما كلام الحنفية فكلامهم في هذا من أغلظ الكلام، حتى إنهم يكفرون المعين إذا قال مصيحف أو مسيجد وصلى صلاة بلا وضوء ونحو ذلك.

وقال في (النهر الفائق) :واعلم أن الشيخ قاسمًا، قال في شرح درر البحار: [إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلًا: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب أو الفضة أو الشمع أو الزيت كذا، باطل إجماعًا لوجوه ... إلى أن قال: ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر ... إلى أن قال: وقد ابتلى الناس بذلك، لاسيما في مولد الشيخ أحمد البدوي] .ا. هـ.

فانظر إلى تصريحه إن هذا كفر، مع قوله أنه يقع من أكثر العوام، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته.

وقال أبو العباس رحمه الله حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال: [كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرا ذكيًا] ، فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا، وهو رجل معين منصف يتظاهر بالإسلام.

وأما كلام المالكية في هذا أكثر من أن يحصر، وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس، وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب (الشفاء) من ذلك طرفًا، ومما ذكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر، وكل هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه.

وأما كلام الشافعية، فقال صاحب إعانة الطالبين (4/ 151) : [على كفر من شك في كفر طائفة، كابن عربي الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد،] . وكل هذا دون ما نحن فيه.

وقال ابن حجر في شرح الأربعين على حديث ابن عباس: ["إذا سألت فاسأل الله"، وما معناه إن من دعا غير الله فهو كافر] .نقلا عن كتاب البلاغ المبين (1/ 225)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت