وصنف في هذا النوع كتابا مستقلًا سماه (الإعلام بقواطع الإسلام) ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام ويكفر به المعين، وغالبه لا يساوي عشير معشار ما نحن فيه، إلى أن قال:[ ... فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقينًا ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام، كما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله، ومثل همه بغزو بني المصطلق لما قيل أنهم منعوا الزكاة، ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين.
ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا لما فهموا من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} ، حل الخمر لبعض الخواص، ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان -رضي الله عنه- على تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة الكذاب مع أنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم، ومثل تحريق علي -رضي الله عنه- أصحابه لما غلوا فيه، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت، ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين، وهلمَّ جرا من وقائع لا تعد ولا تحصى.
ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره: كيف تقاتل بني حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويزكون؟ وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا، وهلم جرا إلى زمن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام، وصلاة الجمعة والجماعة، ونصب القضاة والمفتين لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا، لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم، ولم يتوقفوا فيه وهم في زمن ابن الجوزي والموفق.
وصنف ابن الجوزي كتابًا لما أخذت مصر منهم سماه (النصر على مصر) ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين أن أحدًا أنكر شيئًا من ذلك أو استشكله لأجل ادعائهم الملة، أو لأجل قول لا إله إلا الله أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام، إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك، ولكن من فعله أو حسنه أو كان مع أهله أو ذم التوحيد أو حارب أهله لأجله أو أبغضهم لأجله أنه لا يكفر؛ لأنه يقول لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الإسلام، هذا لم يُسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين، فإن ظفروا بحرف واحد عن أهل العلم أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه] ا. هـ، من مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ص36 للشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- وراجعه فهو مهم جدًا.
وقد ذكر الشيخ ناصر الفهد -فك الله أسره- أربع عشرة واقعة كفّر فيها العلماء من ظاهر المشركين على المسلمين.
ففكر الإرجاء قام للرد على فكر الخوارج، فقابل البدعة ببدعة، وتوسط أهل السنة بين الخوارج والمرجئة في الإيمان.
فاحذر يا عبد الله أن تصل بك الغيرة على هذا الدين فتحارب التكفير الذي في موضعه وأنت لا تشعر؛ فتهون للناس الكفر فيقعون في بشاعة الكفر وهم يظنونه معصية، واحذر يا عبد الله أن تكون ناشرًا لمذهب المرجئة وأنت تظن أنك تنشر مذهب أهل السنة.
قال النضر بن شميل: [دخلت على المأمون قال لي: كيف أصبحت يا نضر؟ قال: قلت: بخير يا أمير المؤمنين. قال: أتدري ما الإرجاء: قلت: ودين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقص من دينهم. قال لي: صدقت] تاريخ مدينة دمشق (33/ 286) .
وفي الكنى والأسماء للدولابي (3/ 260) قال النضر بن شميل: [قال لي المأمون: يا أبا الحسن الإرجاء دين الملوك] .