تعالى ألا له الخلق والأمر وإن أريد به المخلوق المكون بالأمر كان من الأول كقوله تعالى أتى أمر الله فلا تستعجلوا
وبهذا يفرق بين كلام الله سبحانه وعلم الله وبين عبد الله وبيت الله وناقة الله وقوله فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا وهذا أمر معقول في الخطاب فإذا قلت علم فلان وكلامه ومشيئته لم يكن شيئا باينا عنه والسبب في ذلك أن هذه الأمور صفات لما تقوم به فإذا أضيفت إليه كان ذلك إضافة صفة لموصوف إذ لو قامت بغيره لكانت صفة لذلك الغير لا لغيره
واعلم أن الاستدلال على الكلام بمثل هذه السمعيات أكمل من الاستدلال على السمع والبصر بالسمعيات لأن ما أخبر الله به عن نفسه من قوله وكلامه ونبائه وقصصه وأمره ونهيه وتكليمه وندائه ومناجاته وأمثال ذلك أضعاف وأضعاف ما أخبر به من كونه سميعا بصيرا
وأيضا فإنه نوع الإخبار عن كل نوع من أنواع الكلام وثنى ذلك وكرره في مواضع ولا يحصى ما في القرآن من ذلك إلا بكلفة ومن المعلوم بالاضطرار أن المخاطبين لا يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق إنه خلق صوتا في غيره وإنما يفهمون منه هو الذي تكلم بذلك وقاله كما قالت عائشة في حديث الإفك ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى فلو كان المراد بهذه الجمل الكثيرة العظيمة البينة الصريحة خلاف مفهومها ومقتضاها لوجب بيان ذلك إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ثم لا يقدر أحد أن يحكي عنهم أنهم جعلوا الكلام كلاما لمن أحدثه في غيره بل لا يوجد في كلامهم قال ويقول تكلم ويتكلم إلا إذا كان الكلام قائما بذاته
وإذا احتجت الجهمية من المعتزلة ونحوهم بأن أحدنا إنما كان متكلما لأنه فعل الكلام قيل هو لم يحدثه في غيره ولم يباين كلامه نفسه وأنتم تجعلون الكلام البائن للمتكلم كلاما له فإن قالوا ولا نعقل الكلام إلا كلام لمن فعله بمشيئته وقدرته فإن كلام أحدنا لم يكن كلاما له بمجرد قيامه بذاته بل لكونه فعله قيل