صحيح خسروا آلاف القتلى، ولكن فرنسا خرجت من سوريا بدون خسائر كبيرة، وإن كان هذا الكلام يُخجل ولكن لم يحصل جهاد بالمعنى الذي يُخرج الفرنسيين، وإنما شيء بسيط لا يكاد يُذكر.
في العراق نفس الشيء، وهناك كثير من البلاد استقلت دون أن يحصل فيها ما يُرغم العدو على الخروج، ولكنهم خرجوا؛ خرجوا لأن هناك مرحلة استعمارية انتهت وبدأت مرحلة استعمارية ثانية.
فمثلًا بريطانيا احتلت الهند، والهند كان فيها 500 مليون هندي، ووفق القانون البريطاني أن الهند تحت التاج البريطاني؛ يعني المواطن الهندي والباكستاني مواطن إنجليزي، فلو حسبوها بعد فترة سيجدون أنّ هناك 50 مليون بريطاني أصلي يستعمرون 500 مليون هندي ناهيك عن باقي المستعمرات، فما هي نسبة الإنجليز في الإمبراطورية البريطانية؟ 1: 10 أو 1: 100؟!
فهم حسبوا هذا الكلام وقالوا نحن نريد أن نبقى صفوة وإلا فإنّ العِرق الإنجليزي نفسه سيذوب في هذه الإمبراطورية، يعني كان يحق للهندي وفق القانون أن يترشح للمناصب فهو مواطن ضمن التاج البريطاني.
فقالوا: نحن علينا أن ننسحب ونُبقي هؤلاء الناس عبيدًا، نحن نريد الموارد فنضع بعدنا فئة تضمن استمرارية الموارد، ثم نفس هذه الفئة نُدرّبها على أن تحفظ لنا هذه البلد لكي تكون سوقًا، والأمر الآخر أنها تمنع قيام الإسلام.
فكل الذي حصل أنهم بقوا فترة، وخلال هذه الفترة أخذوا جزءًا من أبناء البلد ودرَّسوهم وعلَّموهم في المدارس والتبشيريات والإرساليات وغيره، حتى خرّجوا طبقة من المسلمين ليس لهم من الإسلام إلا الجلد ولون البشرة، فإذا كشطت هذه البشرة السمراء هذه يخرج لك فكر ولحم ودم غربي وصليبي وصهيوني.
فعندما ضمنوا أن هؤلاء الناس أصبحوا جاهزين لأن يحلوا محل الاستعمار، بدأت عمليات الاستقلال الشكلي الذي طبَّلوا وزمَّروا له، وهذا الاستقلال بدأ تقريبًا في الأربعينات، فبلاد الشام كانت من أوائل البلدان المستقلة استقلت في سنة 1946 م، والجزائر 1963 م، وكانت آخر المناطق التي استقلت استقلال شكلي في الخليج العربي (إمارات) .
فخرجوا بعد أن ضمنوا أشياء واضحة، ولذلك كان لورانس -فيما أظنّ- يتباهى ويقول:"أنا فتحت كل هذه المناطق ولم يُرَق فيها دم إنجليزي واحد"، كل ما هنالك أنهم استخدموا الأموال المسروقة من مقاطعات أخرى والعملاء وبعض القبائل؛ فوزعوا الأدوار وحصلوا على نفس النتيجة، فلماذا يقتلون أنفسهم؟ فخرجوا.
فلما ضمنوا هذا الموضوع ذهب الاستعمار العسكري المباشر وجاء الاستعمار الحديث الذي لم يشعر به أحد إلا إذا كان متعمقًا بالموضوع.
بعد ذلك نشأت الحركة الإسلامية وبدأت محاولات الجهاد الذي قادته الحركات الإسلامية ضد الطواغيت بالكلام والكلمة والرسالة والدعوة وغيره.
استمرّ على هذا الشكل الذي تعرفونه مثل حركات الإخوان وغيرها على ما فيها من دخن، ولكن كانت هي صورة من صور مقاومة الإسلام للنفوذ الغربي أو لعملية الاحتلال الجماعي للمسلمين.