فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1074

ثم عقد المقارنة بين موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام فقال

(فأما موسى عليه الصلاة والسلام: فقلت إن موسى تربى في بيت أعظم ملك في العالم لذلك العهد على أنه ابنه، فنشأ في مهد المُلك والسلطان، وأُشرب حب السيادة والحكم، وشاهد سير المدنية والعلوم الكونية والسحرية، وأبصر فنون الصنائع، وتقلب في ظل القوانين والشرائع، وأظهرت عزة المُلك ما اقتضاه مزاجه من الشجاعة والإقدام، ثم لما بلغ أشده وصار لفرعون وآله عدوًّا وحزنًا علم أن له أمة مضطهدة مهانة على ما منحته من ذكاء الفطرة والجد في العمل وكثرة النسل، فاتخذهم عصبية له ... ) (1) .

وأما عيسى (فهو رجل يهودي تربى على الشريعة الموسوية، وكان تابعا لها مع نسخ قليل في أحكامها وإصلاح روحي أدبي لجمود اليهود المادي على ظواهر ألفاظها فأمكن لجاحدي الوحي أن يقولوا: إنه لا يكثر على رجل مثله زكي الفطرة زكي العقل ناشيء في حجر الشريعة اليهودية والمدنية الرومانية والحكمة اليونانية غلب عليه الزهد والروحانية أن يأتي بتلك الوصايا الأدبية ... ) (2) .

وأما محمد عليه الصلاة والسلام (فقد تربى يتيمًا في أمة وثنية أمية جاهلية، ليس لها شرائع ولا قوانين ولا مدنية ولا وحدة قومية ولا معارف ولا صنائع، وكان أعظم ارتقاء بلغته في عهده أن وجد بضعة نفر تعلموا الكتابة بسبب اختلاطهم بالأمم الأخرى، ولم يكن هو منهم ولا السابقون إلى الإيمان به، ومع هذا أوجد أمة ودينًا وشريعة وملكًا ومدنية في مدة قريبة لم يعهد مثلها في التاريخ. وبيَّن لهم العبادات بآثارها في تزكية الروح وتطهيرها ككون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لما اشتُرط فيها من الخشوع وأباح لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وجعل المعاملات الدنيوية دائرة على درء المصالح وجلب المنافع، وأطلق لهم حرية العقل والفكر، وساوى بينهم في الحقوق لا فرق بين الملك الكبير والصعلوك الفقير ولا بين الرجل والمرأة، وأعطى المرأة حرية

(1) انظر الوحي المحمدي ص 62.

(2) انظر مجلة المنار 4/ 382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت