شرح كتاب (بلوغ المرام) للحافظ ابن حجر رحمه الله
الجزء (15)
[لا ينجس الماء إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بنجس]
للعلامة المحدِّث فوزي الأثري حفظه الله ورعاه.
وفيه:
-حديث ابن عمر في مسألة القلتين (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) وهو حديث ضعيف لا يصح كما بينا
-وذكر أهل العلم مسألتين في هذا الحديث:
1)بالنسبة للماء القليل إذا لاقته نجاسة:
-القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية وكذلك وجه في مذهب الحنابلة إذا كان الماء قليلا فإنه ينجس ولو لم يتغير وإذا كثيرا فإنه لا ينجس إلا بالتغير
وهذا القول ذكره الزيلعي في [تبيين الحقائق] ، والنووي في [المجموع] ، والشيرازي في[المهذب والبهوتي في كشاف القناع وابن قدامة في المغني
-القول الثاني: هو قول الإمام مالك وكذلك رواية للإمام أحمد وهو قول سفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان والحسن البصري، في أن الماء القليل لا ينجس إلا إذا تغير بالأوصاف الثلاثة لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، وإذا لم يتغير فيعتبر طهورًا
-ذكره ابن قدامة في [المغني] ، وابن المنذر في [الأوسط] ، والنووي في [المجموع] ، والإمام مالك في [المدونة] ، وابن عبدالبر في [التمهيد] و [الاستذكار] ، وابن رشد في [بداية المجتهد]
-فإذا نظرنا إلى هذه الأقوال فلا بد على طالب العلم أن ينتبه لأمر أن الماء القليل الذي يعتبر في هذه المسألة من قلة أو قلتين ومثل الخزان الصغير أو الفخار للماء فيكون في هذا المستوى، فالغالب مثل هذا الماء إذا لاقى نجاسة فلا بد أن يتغير، ولابد أن تكون هذه النجاسة معتبرة كبول الآدمي أو الغائط المائع أو السائل، فهذا لا بد أن يتغير به الماء فيحترز منه، وبه قال أصحاب القول الأول كما تقدم.
-لكن إذا كان الماء قليل، ولاقى نجاسة قطرة أو قطرتين فهذا لا يضر فيبقى الماء طهور لأن النجاسة يسيرة جدًا، لأن الماء أكبر أجزائه من النجاسة هذه
-وبينا سابقًا أن الماء قليلا كان أو كثيرا وتغير بنجاسة فيصير نجسًا، وأما الماء الكثير كبركة السباحة فلا ينجس بالبول والنجاسة فيه لأنه لا يضرها ولا يتغير أوصافها.
-وذهب ابن المنذر في [الأوسط] أنه إذا لاقى الماء النجاسة وتغير بهذه الوصاف الثلاثة فيكون نجس، وذكره ابن تيمية كذلك في [الفتاوى]
2)الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره:
-فالصحيح أنه يعتبر طاهرًا لأن الماء الكثير يكون أجزاءه أكبر من النجاسة.
-وأما إذا كانت أجزاء النجاسات كثيرة وكبيرة أكبر من الماء حتى لو كان كثيرًا كأن يلقون فيه الحيض والجيف والنجاسات كل يوم فهذا الماء يكون نجسًا لأنه يتغير فيه أحد الأوصاف الثلاثة، ويشق على الناس عزل هذه النجاسة من الماء.
-أما إذا لم تتغير في الماء الكثير أحد أوصافه من رائحة أو طعم أو لون ولو شق عليهم عزل النجاسة منه فهذا يبقى طهورًا بإجماع العلماء، كالبرك والعيون والآبار
-ذكر الإجماع ابن الهمام في [شرح فتح القدير] ، وابن رشد في [بداية المجتهد] ، وكذلك ابن المنذر في [الأوسط] وفي [الاجماع] ، وابن قدامة في [المغني] ، والطبري في [تهذيب الآثار] وابن حزم في [مراتب الاجماع] ، وابن تيمية في [نقد مراتب الاجماع] ، وابن دقيق العيد في [احكام الاحكام] ، وابن رجب في [القواعد الفقهية] ، والعراقي في [طرح التثريب] ، والشوكاني في [نيل الأوطار] .
-وكان في القديم يمدون الأنابين للمجاري تصب في البحر وتجد كل أهل القرية يصب فيه ومع ذلك البحر لا ينجس لأنه كبير جدًا ولا يؤثر فيه ذلك فهو طاهر والناس كان عندهم أنه نجس.
-فإذا تغير الماء بهذه الأوصاف الثلاثة فهو نجس، وإذا لم تتغير فهو طاهر سواء كان في البيت أو في الطريق أو في أي مكان