{رواية المختلطين في الصحيحين ومنهج الشَيخين في التعامل معها}
…مِن منهج الشيخين - رضي الله عنهما - في الصحيح الانتقاء، كانوا إذا رووا عن ضعيف أو مختلط فإنهم يروون عن الضعيف ما صح مِن حديثه وهذا من دقة نظر الشيخين وامامتهم، ويحدثون عن المختلط ما حدث به أصحابه قبل الاختلاط أو ما وافقهُ عليهم الثقات إن حدث عنه بعد الاختلاط، فالإمامين لم يحتجا بكُل حديث ضعيف مُطلقًا أو يرداه فإنهُ مِن المحتمل أن يصيب الضعيف في حديثه، أو يوافق الثقات عليه وطريقتهم في ذلك هي منهجية النُقاد وأئمة الحَديث مِمَن تقدم وممن هم في طبقة الشَيخين رضي الله عنهما، وأخطأ من ضعف أحاديثًا في الصحيحين بمجرد كون الراوي قد اختلط، أو الراوي ضعيف قال الحافظ ابن عبد الهادي: (( وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن قد تكلم فيه فإنهم ينتقون من حديثه مالم يتفرد به، بل وافق فيه الثقات وقامت الشواهد على صدقه ) ) [1] .
…وقد اعتمدت على كلام الأئمة النُقاد في بيان منهج الشيخين اختصارًا للبحث والدراسة اتقاء الإطالة فيه والإكثار مِن الكلام بالأمثلة.
…قال ابن القيم: (( ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة ومن ضعف جميع حديث سئ الحفظ فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله والثانية: طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والله المستعان ) ) [2] .
…وقال أيضًا: (( وعيب على مسلم إخراج حديثه وهذه حاله ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه غيره ولم ينفرد به ولم يكن منكرا ولا شاذا بخلاف هذا الحديث والله أعلم ) )فإن الناظر لمنهج الإمامين في تخريج أحاديث هذا الصنف مِن الناس فإنهم لا يخرجون لهم ما ينفردون به، أو ما عُلم بالقرائن أنهُ حدث به عند اختلاطه أو خالف فيه النَاس، أو انفرد بهِ وقد يُخرجون لراوٍ تفرد بروايته كما فعل مسلم في رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه لقرينة خاصة كأن يكون من أهل بيته ومُختصًا بحديثه ولا يخفى أن الاختصاص ورواية أهل بيت الرجل عنه من القرائن في الترجيح والتصحيح فرواية سهيل من قبيل هذا ولعل الإمام مسلم أخرج روايته لاختصاصه بحديث أبيه.
…قال الحافظ ابن حجر: (( وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم قبل الاختلاط وهو في الصحيح من حديث من اختلط ولم يبين هل سماع ذلك الحديث منه في هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده ) ) [3] .
…وقال أيضا بعد أن ترجم لسعيد بن أبي عروبة: (( وأما ما أخرجه البخاري من حديثه عن قتادة فأكثره من رواية من سمع منه قبل الاختلاط وأخرج عمن سمع منه بعد الاختلاط قليلا كمحمد بن عبد الله الأنصاري وروح بن عبادة وبن أبي عدي فإذا أخرج من حديث هؤلاء انتقى منه ما توافقوا عليه ) ) [4] .
…قال الحافظ ابن رجب: (( اعلم أنه قد يخرج في الصحيح لبعض من تُكلم فيه إما متابعة واستشهادًا، وذلك معلوم, وقد يخرج من حديث بعضهم ما هو معروف عن شيوخه من طرق أخرى، ولكن لم يكن وقع لصاحب الصحيح ذلك الحديث إلا من طريقه، إما مطلقًا أو بعلو, فإذا كان الحديث معروفًا عن الأعمش صحيحًا(عنه) ، ولم يقع لصاحب الصحيح عنه بعلو إلا من طريق بعض من تكلم فيه من أصحابه خرجه عنه )) [5] ، فالشيخين لهم منهجية دقيقة في التعامل مع مثل هذه الرواية.
…وقال الزيلعي كلامًا نفيسًا في منهجية الشيخين في التعامل مع هذا الضرب مِن الناس فقال في نصب الراية: (( وربما جاء إلى حديث فيه رجل قد أخرج له صاحبا"الصحيح"عن شيخ معين لضبطه حديثه وخصوصيته به ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه فيه أو لعدم ضبطه حديثه أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه أو لغير ذلك فيخرجه هو عن غير ذلك الشيخ ثم يقول: هذا على شرط الشيخين أو البخاري ) ) [6] .
…الشَيخين - رضي الله عنهم - يخرجون رواية الضعيف والمختلط إن توفرت فيه القرائن والملابسات التي تُعين على صحته وثبوته، وأما مَن تغير حِفظهُ فلا يجرى عليه حُكم الاختلاط لأن الاختلاط على ثلاث صور، وإن كان مختلطًا فإنهُ لا يجري عليه التعليل إن كان يحدثُ مِن كتابٍ. والله أعلى وأعلم.
…قال الشَيخ أبو بكر كافي: (( هذا المنهج يعرف بمنهج الانتقاء من أحاديث الضعفاء، أي أن حديث الضعيف لا يرد جملة ولا يقبل جملة. وإنما يقبل ما صح من حديثه فقط. كما أن الثقة لا تقبل أحاديثه مطلقًا فيقبل ما أصاب فيه ويرد ما أخطأ فيه ) ) [7] .
…ومِن فهم منهج الشيخين في الانتقاء لابد أن ينظر إلي عدة اعتبارات مِنها:
…شيوخهُ وتلاميذه، هل أخرج لهُ في الأصول أم في المتابعات، هل أكثر عنه أم لم يكثر عنه، هل تفردَ بهِ أم لم يتفرد، وإن كان اختلط أو تغير كيف روى لهُ وعلى أي صورة أخرج حديثهُ في كتابه الصحيح.
…والتَفرد في الحَديث مِن مَظنة العِلة وليس علةً مُطلقًا ويَكون ذلك بالنظر إلي القرائن والملابسات التي تُحيط بتفرد هذا الراوي، والغرائبُ = الفوائد يتقيها أهل النقدِ أو يضعفونها أو يتوقفون فيها وذلك لأن لكل حديث نقدٌ خاص.
…وأما إن كان الراوي ممن اختص بحديث الشَيخ وأكثر عنهُ وعُرف بحديثه عنه كرواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيهِ فإنهُ وإن لم يدرك أبيه صحح النقاد حديثه واحتجوا بهِ وقالوا أنه حدث عن أهل بيتهِ وهُم ثقات، كذلكَ فإن الراوي إن كان مكثرًا عن شيخه مُختصًا بحديثه وأكثر عنه مسلم في الصحيح كحال سهيل بن أبي صالح عن أبيه فذلك يحتج بهِ ويُعلم أن الإمام مسلم يراعي القرائن والملابسات.
…قال الحافظ ابن رجب: (( وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال إنه مما وهم فيه ) ) [8] ، ويبين الشَيخ المعلمي منهج الإمامين في الروايةِ عن المُتكلم فيه مُوضحًا علة إخراج الشَيخين لبعضِ أحاديثهم قائلًا:
… (( أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يسمع منه غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنة وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس. فيخرجان للرجل حيث يصلح ولا يخرجان له حيث لا يصلح ) ) [9] .
…قال الشَيخ عبد القادر المحمدي: (( قد ينتقي الناقد البارع من حديث الضعيف أصح رواياته، وهذا لا يُقبل إلاّ عند أئمة الشأن كـ(البخاري ومسلم) ومن هو قرين لهما في النقد والفهم، لأنه أعلم بحديثه وبمظانه في السنن )) [10] .
…ثم اعلم أن لكل حديث من الأحاديث قرينة خاصة به كما نص على ذلك الأئمة المحققون، فعند ترجيح حديث على حديث أو قبول رواية راوٍ في موضع وردها من الراوي نفسه في موضع آخر هناك قرائن ومعطيات على أساسها يتم ترجيح الرواية وقبولها في هذا دون ذلك [11] .
…فإنكَ ان علمت أن الإمامين ينتقيان مِن الرواة المتكلم فيهم ما صح مِن حديثهم وعُلم أنهُ لم يتفرد بهِ أو تابعه عليه ثقة ووافق الناس عليه فإنكَ لن تجد للشَيخ عذرًا في اهمال هذه المسألة الدقيقة في منهج الشَيخين في تخريج الأحاديث المتكلم فيها وقد سبق أنه الإمام مسلم ينتقي مِن الروايات ما سَلم مِن العلة وقسم الرواة على ثلاث طبقات وكان يحتج بسلسلة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة في الصحيح ولم ينكر أحدٌ مِن العالمين اخراجهُ لهذه السلسلة بل استنكر الدارقطني على الإمام البخاري أنه لم يخرج هذه السلسلة لسلامتها وصحتها!
…فان تبين لكَ أنه الإمامين البخاري ومسلم يميزان العلل الخفية واحوال الرواة من شيخ إلي شَيخ، ومن حال إلي حال، ومِن وقت إلي وقت وإن حَديث في مِصر فضبط وحديث في غَيره فلم يضبطه والاختلاف على الرواة وأهل الاختصاص في أحاديث الشيوخ علمتَ أن منهجهم أصح المناهج لنقد السنة وأسلمها ومَنهجهم منهجُ مَن في طبقتهم من نقاد أئمة الحَديث = رضي الله عنهم، قُلت أن لا مناص مِن الحكم بصحة الحَديث لا ضعفه أصحُ الأقوال مع عدم تضعيفِ السلسلة والكلام فيها مِن قبل أحدٍ مِن العالمين حتى خالف الشَيخ ذلك فضعفها وأعل الحَديث بتفردِ سهيل عن أبيه! وهذا مِن العَجب ولا حول ولا قوة إلا بالله. والله المُستعان.
…ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
… [1] تنقيح التحقيق للحافظ ابن عبد الهادي (3/ 277) .
… [2] زاد المعاد (1/ 364)
… [3] النكت للحافظ ابن حجر (1/ 315) .
… [4] مقدمة الفتح (ص 416) .
… [5] شرح علل الترمذي (2/ 831)
… [6] نصب الراية (1/ 341)
… [7] منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها من خلال كتابه الصحيح (1/ 144) .
… [8] شرح علل الترمذي للحافظ ابن رجب (2/ 613) .
… [9] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من أباطيل للإمام المعلمي اليماني (2/ 692) .
… [10] الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص 29) .
… [11] المصدر السابق.