فهرس الكتاب

الصفحة 655 من 1087

كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ (1) سمّي الله الغائظ بهم كفّارا فليحذر عن غيظهم كما يحذر عن الكفر والله الموفّق. والجماعة الذين صحّحوا مثل هذه النّسبة برسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وصاروا مقبولين لديه ومنظورين إليه - صلّى الله عليه وسلّم - إذا خالف بعضهم بعضا في بعض الامور وتشاجروا وعملوا بما أدّى اليه رأيهم واجتهادهم لا يكون مجال للطّعن فيهم ولا للإعتراض على صنيعهم بل الحقّ والصّواب في ذلك الموطن هو عين الإختلاف وعدم تقليد رأى غيره ألا ترى أنّ تقليد الإمام أبي يوسف أبا حنيفة رضي الله عنهما بعد وصوله إلى درجة الإجتهاد خطأ والصّواب إنّما هو تقليد رأى نفسه حتّى إنّ الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه لا يقدّم قول صحابىّ أىّ صحابىّ كان سواء كان صدّيقا أو عليّا على رأيه بل يرى الصّواب في العمل برأيه وإن كان مخالفا لقول صحابىّ فإذا كان لمجتهد من الامّة غير صحابىّ مجال في مخالفة آراء الاصحاب كيف يكون الاصحاب مطعونا فيهم إذا خالف بعضهم بعضا. (مع أنّا) نقول انّ الاصحاب الكرام قد خالفوا في الامور الإجتهاديّة رأى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - ولم يرد الذّمّ على خلافهم ذلك مع وجود نزول الوحى ولم يرد المنع عن اختلافهم ذلك كما مرّ فإن كان اختلافهم ذلك غير مرضىّ وغير مقبول عند الحقّ جلّ شأنه لكان يرد المنع عنه وينزل الوعيد على المخالفين ألا ترى كيف جاء المنع من رفع الصّوت حين رفع جماعة أصواتهم فوق صوت النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وترتّب عليه الوعيد قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (2) الآية ووقع في أسارى بدر اختلاف عظيم حيث حكم عمر الفاروق وسعد بن معاذ بقتل الأسارى وحكم الآخرون بالتّخليص والفدية وكان الرّأي المقبول عنده صلّى الله عليه وسلّم الحكم بالتّخليص والفدية وسائر مواضع الإختلافات كثيرة.

ومن هذا القبيل اختلافهم في إتيان القرطاس حين طلب النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم في مرض موته قرطاسا ليكتب لهم شيأ فاراد جمع اتيان القرطاس ومنعه الآخرون وكان الفاروق من الذين لم يرضوا بإتيان القرطاس وقال حسبنا كتاب الله فأكبّ الطّاعنون من هذه الجهة على الفاروق وأطالوا لسان الطّعن والتّشنيع عليه وليس هذا في الحقيقة محلّا للطّعن فإنّ الفاروق قد علم أنّ زمان الوحى صار منقطعا والاحكام السّماوية قد تمّت ولم يبق مجال لاثبات الاحكام غير الرّأي والاجتهاد وكلّ ما يكتب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكون من الامور الإجتهاديّة الّتي فيها شركة للآخرين بقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (3) فرأى الصّواب في أن لا يصدّع النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم - عند غلبة وجعه وأن يكتفى

(1) الفتح: 29

(2) الحجرات: 2

(3) الحشر: 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت