كتاب الله تعالى ويعترف به الشّيعة أيضا وسمع هذا الفقير أحمد التّبتىّ الذي كان من أكابر الشّيعة يقول إنّ كتاب البخاريّ أصحّ الكتب بعد كتاب الله وفيه روايات من موافقى علىّ وروايات من مخالفيه ولم يجعل الرّجحان وعدمه مبنيّا على الموافقة والمخالفة فكما أنّه يروى عن عليّ يروي عن معاوية (1) فلو كان في معاوية وفي روايته شائبة الطعن لما أدرج روايته في كتابه أصلا وكذلك لم يفرّق بهذا الوجه في رواية الحديث أحد من نقّاد الاحاديث من السّلف ولم يجعل مخالفة على منشأ للطّعن.
وممّا ينبغي أن يعلم أنّه لا يلزم أن يكون علىّ رضي الله عنه محقّا في جميع الامور الخلافيّة ولا يقطع به وأن يكون مخالفوه على الخطاء وإن كان الحقّ في أمر المحاربة في جانبه؛ فإنّ علماء الصّدر الاوّل من التّابعين والأئمّة المجتهدين اختاروا مذهب غيره في كثير من الاحكام الخلافيّة ولم يحكموا بمذهبه فإن كان الحقّ متعيّنا في جانبه لما كانوا يحكمون بخلافه وكان القاضى شريح (2) من التّابعين وصاحب اجتهاد ولم يحكم بمذهب عليّ ولم يقبل شهادة ابنه الحسن (3) عليهما الرّضوان - له بواسطة نسبة البنوّة وعمل المجتهدون بقول شريح وأخذوا به ولم يجوّزوا شهادة الإبن للأب واختيار الاقوال الّتي تخالف رأى علىّ كرّم الله وجهه كثير في مسائل أخرى أيضا لا يخفى على المتتبّع المنصف وتفصيله يستدعى تطويلا فلا يكون في مخالفة علىّ كرّم الله وجهه مجال للاعتراض ولا يكون مخالفوه مطعونا فيهم وملومين. وكانت عائشة (4) الصّدّيقة رضي الله تعالى عنها حبيبة حبيب ربّ العالمين ومقبولته ومنظورة إليه صلّى الله عليه وسلم إلى شفير اللّحد وكان - صلّى الله عليه وسلم - مقيما في
(1) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي: الصحابي الجليل مؤسس الدولة الأموية في الشام وأحد دهاة العرب المتميزين الكبار كان فصيحا حليما وقورا ولد بمكة وأسلم يوم فتحها سنة 8 هـ وتعلم الكتابة والحساب فجعله النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه.
(2) القاضي شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية: من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام أصله من اليمن وولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية. -. رضي الله عنهم - واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة 77 هـ وكان ثقة في الحديث مأمونا في القضاء له باع في الأدب والشعر وعاش طويلا ومات بالكوفة سنة 78 هـ 697 م. شذرات الذهب 1/ 85 الطبقات الكبرى لابن سعد 6/ 90 وفيات الأعيان 1/ 224 الأعلام للزركلي 3/ 161.
(3) الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي: أبو محمد خامس الخلفاء الراشدين وآخرهم أمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكبر أولادها وأولهم كان عاقلا حليما محبا للخير فصيحا من أحسن الناس منطقا وبديهة حج عشرين حجة ماشيا بايعه أهل العراق بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة 40 هـ
(4) أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق: أحب أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نفسه الصديقة بنت الصديق أمها أم رومان بنت عامر خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وبنى عليها في شوال سنة ثنتين من الهجرة كناها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعبد الله بن الزبير كانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين ماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان ودفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة. انظر: ابن حجر: الإصابة: 8/ 328 - 329.