شيء. فالأول نسيت الشيءَ، إذا لم تذكره، نسيانًا، وممكن أَن يكون النِسي منه [1] . وهو أن ينسى الراوي الحديث بالكلية أو ينسى إسناده أو بعضه أو يسهو عنه فلا يستطيع استحضاره فيسبب ذلك شكه أو الوهم فيه.
وهو من الأمور التي تعتري جميعَ الناس، يقولُ ابن عبد البر في حديث سهو النبي (- صلى الله عليه وسلم -) : وفي هذا الحديثِ بيان أن أحدا لا يسلم من الوهم والنِسيان؛ لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء، فغيرهم بذلك أحرى، وكان الصحابة يقلون من رواية حديث النبي (- صلى الله عليه وسلم -) خشية أن تزل أقدام المكثرين بسبب الخطأ والنسيان فيقعوا في شبهة الكذب على رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من حيث لا يشعرون، وقال الأعمش: سمعت من أبي صالح أَلف حديث، ثم مرضت فنسيت بعضَها، وكان بعضُ المحدِّثين ربَّما حدَّث بالحديث، ثم نسيه، وأنكر أن يكون حدث به: فمن ذلك: ما أخرجه مسلم، من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أَبي معبد مولى ابن عباس: أنه سمعه يخبر عن ابن عباس؛ قال: ما كنا نعرف انقضاءَ صلاة رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا. قال عمرو: وقد أخبرنِيه قبل ذلك [2] .
وقد قيل إن النسيان آفة العلم، فإذا ما وقع السهو والنسيان في رواية الحديث، فالأولى تركه وعدم أخذه إلا إذا استطاع المحدث أن يستذكره هو، أو أن يراجعه من كتاب أو يستذكره من راو غيره، قال الإمام شعبة وجدت منذ أيام في كتاب عندي عن منصور عن مجاهد قال لم يحتجم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وهو محرم قال شعبة ما أدري كيف كتبته ولا اذكر أني سمعته [3] .
وروى الشافعي عن مالك (رحمهما الله) حديث مالك بن أوس بن الحدثان في الصرف بلفظ: حتى يأتي خازني من الغابة. أو قال: جاريتي. ثم قال: أنا شككت،
(1) العين للفراهيدي: 7/ 304؛ معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 5/ 421.
(2) العلل لابن ابي حاتم: 1/ 72 - 75؛ اصول وضوابط الرواية اللفظية (الشفهية) عند المحدثين، محمد رضوان ونعيم اسعد الصفدي، الجامعة الاسلامية، كلية اصول الدين، قسم علوم الحديث الشريف وعلومه، (غزة: د. ت) : 447.
(3) العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل: 2/ 138.