الصفحة 95 من 297

أحفظُ. فهذا يعني ترجيحَ أبي حاتم لرواية سعيد بن أبي عَرُوبة على رواية شُعْبة، وخالفه في ذلك البخاري ومسلم، فأخرجا الحديث في صحيحيهما من طريق شُعْبة، عن قتادة، عن سالم بن أَبي الجعد، عن جابر، به. وما ذهب إليه البخاريُّ ومسلمٌ هو الصوابُ؛ بدليلِ أنهما أخرجاه أيضًا من طرُق، غير طريق قتادة عن سالم بن أَبِي الجعد؛ وهذا يؤكِّد أن الحديث حديث سالم [1] .

مثال التفرد للإمام شعبة (رحمه الله) في التأمين وأخفى بها صوته، وقد ظهر التفرد بشكل جلي في طبقة أتباع التابعين، وصار التفرد برواية أو سند يثير شيئًا من علامات الاستفهام عند المحدثين، وإن لم يرووا التفرد بمرة [2] .

قال الحافظ الذهبي: إذا انفرد الرجل منهم من التابعين، فحديثه: صحيح. وإن كان من الأتباع، قيل: صحيح، غريب. وإن كان من أصحاب الأتباع، قيل: غريب، فرد [3] ، فيقول الشارح هذا الموطن من المواطن العظيمة النفع في هذا الكتاب، والتي لا توجد في كتاب آخر من كتب المصطلح، إذ شبه (رحمه الله) على إن قبول التفرد له علاقة بطبقة المتفرد، وكلما علت طبقة المتفرد كان ذلك أدعى للقبول، وكلما نزلت كانت أدعى للرد [4] .

فينفرد الراوي الثقة في طريقة أتباع التابعين لم يعد مقبولًا بإطلاق، بل يحتاج إلى غربلة دقيقة ومحقق عميق، ذلك أن المرويات قد اشتهرت وشاعت، والرواة يعضِّد بعضهم بعضًا في الغالب، بسبب توسع الرواية والانشغال بها في هذه الطبقة، وعندما ينفرد راو ليس من الأئمة المشهورين، ولم يعرف بالتقصي والتفتيش عن خفايا الطرق والمرويات، ولكن يأتِ بما يرويه عنه قبله، ولم يتابعه عليه قرناؤه وأهل طبقته، فإن هذا يثير ارتباكًا في نفس الحافظ الناقد، ولا يستسيغ قبول هذا التفرد إلا إذا ترجح عنده صحته وضبط الراوي لما رواه، وذلك من خلال القرائن والدراسة الدقيقة المستفيضة حول حال الراوي وظروف الرواية، وقد يطلق بعض الحفاظ الرد

(1) العلل لابن ابي حاتم: 1/ 102 - 103.

(2) المصدر نفسه: 131.

(3) الموقظة للذهبي: 78.

(4) شرح الموقظة للذهبي لحاتم عارف عوني: 232 - 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت