الصفحة 77 من 297

يكثر دورانها بسبب كثرة رواية الراوي، وكثرة الرواة عنه؛ كأبي هريرة (- رضي الله عنه -) الذي هو أكثر الصحابة رواية؛ فإن بعض تلاميذه أكثروا من الرواية عنه، وبعض تلاميذهم أكثروا من الرواية عنهم، وربما تلاميذهم أيضا، وهكذا. وربما جاء حديث آخر يشترك مع هذا الإسناد المشهور الجادة في بعض رجاله، ويختلف في بعضهم الآخر، فيرويه بعض الرواة فيهم، فيذكر الإسناد المشهور بتمامه بحكم الاشتراك في بعضه، فينبه العلماء على هذا الوهم، ومثاله: روى أبو عتاب سهل بن حماد، عن عبد الله بن المثنى، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس، عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال:"إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ..."إلخ، وهذا إسناد معروف وجادة مطروقة وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن ثمامة، عن أبي هريرة؛ وهذا غير الجادة.

فسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث؟ فأجاب بقوله: هذا أشبه: عن أبي هريرة عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ، ولزم أبو عتاب الطريق، فقال: عن عبد الله، عن ثمامة، عن أنس. وقال الحافظ ابن حجر في حديث اختلف فيه حماد بن سلمة مع باقي الرواة عن عكرمة: لكن لما فتشت الطرق؛ تبين أن عكرمة سمعه ممن هو أصغر منه، وهو الزهري، والزهري لم يسمعه من ابن عمر، إنما سمعه من سالم، فوضح أن رواية حماد بن سلمة مدلسة أو مسواة، ورجع هذا الإسناد الذي كان يمكن الاعتضاد به إلى الإسناد الأول الذي حكم عليه بالوهم، وكان سبب حكمهم عليه بالوهم: كون سالم أو من دونه سلك الجادة [1] .

8 -شدّة الورع:-

لغة: شدة التحرج. ورجل ورع متورع إذا كان متحرجًا [2] .

اصطلاحًا: هو شدة التحرج من رواية حديث النبي (- صلى الله عليه وسلم -) خوفًا من الوهم فيه.

إن شدة الورع تسبب احيانًا الشك والوهم في رواية الحديث النبوي، كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحَدِيث عَنْ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) خوفًا من الزيادة والنقصان، والغلط فيه، حتى أنَّ من التابعين من كَانَ يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، ومنهم من يسند الحَدِيث حتى إذا

(1) العلل لابن ابي حاتم: 1/ 118 - 121.

(2) العين للفراهيدي: 2/ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت