وهذا غير جائز طبعًا، وفي الغالب تأتي الرواية مضبوطة المعنى، لكنه وقع ذلك في عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم فكان من أسباب الشك والوهم هو رواية الحديث بالمعنى، ومن هذا الشك والوهم نشأ علم العلل، وهو علم له أسسه وقواعده ويتتبع الخلل الواقع في الرواية ولاسيما إن كان في بيان الوهم فيها، وأول من عرف عنه الاشتغال بهذا العلم والبحث فيه هو الإمام شعبة بن الحجاج إذ قال عنه ابن رجب في شرح العلل: هو أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل، واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقب عن وقائع علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تُبع له في هذا العلم [1] .
إن رواية الحديث بالمعنى كان سببًا في دخول الشك والوهم على الحديث أحيانًا، وإن تغيير بعض الألفاظ قد يغير المعنى، لذلك كان بعض أئمة هذا الشأن لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى، والصحيح الجواز على وفق الشروط [2] التي ذكرناها، ومن العلماء من أجازه إذ قال الحسن البصري: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى، وقال أحمد: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى. وروى قتادة عن زرارة بن أوفى قال: لقيت عدة من أصحاب النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فاختلفوا علي في اللفظ، واجتمعوا في المعنى [3] . وقيل لمالك: أرأيت حديث النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفًا [4] .
(1) شرح علل الترمذي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَلامي البغدادي الدمشقي الحنبلي (ت 795 هـ) ، تحقيق: همام عبد الرحيم سعيد، مكتبة المنار، (الزرقاء - الأردن: 1407 هـ - 1987 م) : 1/ 448.
(2) العلل لابن حنبل: 2/ 179.
(3) شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي: 1/ 150.
(4) معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح: 1/ 329.