وكان الإمام شعبة (رحمه الله) من أشدِّ الناس في التثبت وضبط حديث رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، إذ يسمع الحديث مرارًا من الرواة، ولا يرويه إذا سمعه مرة واحدة، ويحرص عن الأخذ من الثقاة الأثبات، ويدع ما عندهم من زلات إن كانت فيهم بالذات، ويتثبت في السماع ونص المتون التي عنده منتقاة.
12 -التوقف:-
وهو ترك رواية الخطأ والصواب جميعًا وهذا ما قاله ابن دقيق العيد عن شيخه عز الدين بن عبدِالسلام، قال: سمعت أبا محمد بن عبدالسلام، كان يرى في هذه المسألة ما لم أَره لأحد: إن هذا اللفظ المختل لا يروى على الصواب، ولا على الخطأ؛ أما على الصواب: فإنه لم يسمع مِن الشيخِ كذلك، وأما على الخطأ: فلأنَّه (- صلى الله عليه وسلم -) لم يقله كذلك [1] . وقد سئل الإمام الدارقطني عن حديث طارق بن شهاب، عن ابن مسعود، عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) :"من تردى من رؤوس الجبال، أو أَكله السبع، أو غرق في البحر، شهداء عند الله". فقال: يرويه إبراهيم بن مهاجر واختلف عنه؛ فرواه الثوري، وشعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود، موقوفا. ورفعه حجاج بن نصير، عن شعبة، عن إبراهيم بن مهاجِر. والموقوف أَصح [2] .
فإذا لم يستطع المحدث الناقد البصير من الوقوف على علة الحديث في إسناده أو متنه أو معرفة موطن العلة، وهو لا يستطيع أن يعالج هذه العلة بما لديه من علم وسعة إطلاع ونظر ثاقب، فلا يستطيع الحكم على الحديث بالتصحيح أو التضعيف يكون أمر التوقف هو الأليق، أو وجود موطن للشك أو الوهم في سند الحديث أو متنه يجعله يتوقف فيه، فقد يتبين عند غيره ما لم يتبين له، وإن كان هو أعلى رتبةً في الفن وأنبل، ومن ثم إعطاء الحكم على الحديث من قبول أو رد، أو تكون هناك أحاديث متعارضة من حيث الظاهر لا يمكن الجمع بينهما، فالتوقف وترك الأمر
(1) العلل لابن ابي حاتم 1/ 357؛ الاقتراح في بيان الاصطلاح، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد (ت 702 هـ) ، دار الكتب العلمية، (بيروت: د. ت) : 43.
(2) العلل للدارقطني: 5/ 155.