الراجح، نعم إن كتابة الحديث النبوي الشريف كان محل خلاف حتى بين الصحابة (- رضي الله عنهم -) أنفسهم، فقد جاء في النهي عن أبي سعيد الخدري (- رضي الله عنه -) أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قال:"لا تكتبوا عنِي، ومن كتب عَنِي غير القرآن فليمحه" [1] ، وحديث الإباحة قوله (- صلى الله عليه وسلم -) :"أكتبوا لأبي شاه" [2] ، وهو متفق عليه، وقال أبو هريرة (- رضي الله عنه -) : ليس أحد من أصحاب النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب، رواه البخاري، وروى الحاكم وغيره من حديث أنس بن مالك (- رضي الله عنه -) وغيره مرفوعًا وموقوفًا:"قيدوا العلم بالكتاب" [3] .
وقد أسند ابن الصلاح عند الأوزاعي أنه كان يقول: كان هذا العلم كريمًا يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله. ثم على كاتبه صرف الهمة إلى ضبطه وتحقيقه شكلًا ولفظًا يؤمن معه اللبس ليؤديه كما سمعه، قال الأوزاعي: نور الكتاب إعجامه، وقال الرمهرمزي: أي نقطه، أي يبين التاء من الياء والحاء من الخاء، والشكل تقيد الإعراب. وقال ابن الصلاح: إعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله [4] .
وينبغي أن يكون اعتناءه بضبط الملتبس من الأسماء أكثر فإنها لا تستدرك بالمعنى ولا يستدل عليها بما قبله وبما بعده، قال أبو إسحاق النجيرمي: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس؛ لأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء يدل عليه، ولا بعده شيء يدل عليه [5] . وذكر أبو علي الغساني: أن عبد الله بن إدريس الكوفي قال: لما
(1) صحيح مسلم: كتاب الآداب، باب النهي عن كتابة غير القرآن، 8/ 229، ح: 7620.
(2) صحيح البخاري: كتاب الخصومات، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة، 3/ 164 - 165، ح:2434؛ صحيح مسلم: كتاب الحج، باب تحريم مكَّة، 4/ 110، ح: 3284.
(3) مصنف ابن ابي شيبة لابي شيبة: 9/ 49، ح: 26955 وح: 26956؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم: 1/ 106، ح: 361.
(4) تدريب الراوي في شرح تقريب النوأوي، جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر السيوطي (ت 911 ه) ، دار ابن الجوزي، (السعودية: 1431 ه) ، 2/ 609 - 614.
(5) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي: 1/ 269.