الإمام شعبة في البصرة، فهو قتادة بن دعامة السدوسي من تدليس الإسقاط وهو: نقل الحافظ ابن حجر في التهذيب عن ابن المديني أنه ضعف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب المدني تضعيفًا شديدًا، وقال أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال، وكان ابن مهدي يقول: مالك عن ابن المسيب أحبُّ إلي من قتادة عن ابن المسيب [1] .
وهذا صحيح لأن الإمام مالك إمام دار الهجرة مسكنه المدينة وابن المسيب سيد التابعين فيها فكانت ملازمته أطول وأخذه منه أكثر، وهذا لا يظن في مثل قتادة، إذ سمع من ابن المسيب في رحلته إلى المدينة، إذ صحبه ثمانية أيام، ولكنه حجم ما رواه عند لا يمكن أن يتصور أخذه في هذه المدة القصيرة، مما جعل ابن المديني يضعف روايته عنه ولاسيما أن قتادة كان مدلسًا، فربما سمع رواة آخرين بينه وبين ابن المسيب فأسقطهم فرواها عنه مباشرة، فيتبن من ذلك أن أحاديث قتادة عن سعيد ابن المسيب، منها صحيحة أخذها منه مباشرة ومنها ما بينه وبين سعيد رجل فيسقطه [2] .
ومعلوم أن الإمام شعبة (رحمه الله) كان يتفقد فم قتادة عند الرواية، فإذا قال حدثنا وسمعت وحفظت أخذ به، وإذا قال حدث فلان تركه [3] . وهذا راجح إلى طول ملازمة شعبة لقتادة ومعرفته بطريقة روايته للحديث، فيقول كفيتكم تدليس ثلاثة، الأعمش وأبي إسحاق وقتادة، وهذا يعني أن الإمام شعبة قد جلا لنا أحاديث أئمة ثقاة كانوا يدلسون، فلا يبقى شك أو وهم في أحاديثه الصحيحة أو أحاديثهم المدلسة إن كانت صحيحة أو ضعيفة، فكان العلاج هو طول ملازمة ومراقبة حال وتمحيص رواية وتثبت للسماع. فبمعرفة المدلسين والأحاديث المدلسة يزول كثير من الشك والوهم الذي قد يعتري المحدث، فإن لهذه المعرفة الأثر الكبير في ازالة الشك والوهم ومن ثم اعطاء الحديث درجته والحكم الصحيح عليه من حيث القبول أو الرد.
(1) تهذيب التهذيب لابن حجر: 8/ 356.
(2) سير اعلام النبلاء للذهبي: 5/ 356.
(3) الوهم في روايات مختلفي الامصار عبدالكريم الوريكات: 431.